الصفحات

الأربعاء، 26 شباط، 2014

(لماذا كان يجب عدم دمج إيران بـ "محور الشر" إطلاقاً)

الموقع الإلكتروني هوفنغتون بوست (Huffington Post) 24 شباط 2014 بقلم الباحث ديدييه شوديه Didier Chaudet

     الباحث ديدييه شوديه مختص بالشؤون الدبلوماسية والأمنية المتعلقة بأفغانستان وآسيا الوسطى. كما يهتم بالسياسة الخارجية الإيرانية، ولاسيما في دول الاتحاد السوفييتي السابق وجنوب آسيا. يعمل حالياً في معهد التنبؤ والأمن في أوروبا (Institut Prospective et Sécurité en Europe). عاش في آسيا الوسطى (في قيرغيزستان وكازاخستان بشكل خاص) والشرق الأوسط (مصر وسورية بشكل خاص).
     يجب أن نؤكد في البداية أننا نتحدث هنا عن إيران بصفتها طرف في السياسة الخارجية. يهدف هذا الحديث إلى شرح وفهم الحقائق الجغراسياسية، وليس إطلاق الأحكام على الوضع الداخلي. من جهة أخرى، نحن هنا في إطار عدة مقالات حول جنوب ـ غرب آسيا، وهي منطقة تتأثر بالتأكيد بمستقبل أفغانستان ومحيطه الإقليمي بعد عام 2014. ربما تقودنا النظرة الأوروبية إلى الاعتقاد بأن الشرق الأوسط أكثر أهمية بالنسبة لباريس من جنوب آسيا. ولكن عندما نعيش في هذه المنطقة، يمكن أن نؤكد على شيئين: الأول هو أن الخوف من المستقبل تجاه الغموض الأمني والسياسي والاقتصادي يمكن تلمسه بشكل واضح على الصعيد الإقليمي، والثاني هو أن أية زعزعة لاستقرار هذه المنطقة سينعكس تأثيرها أولاً على جيران أفغانستان... ثم سيصل ذلك حكماً إلى الغرب في لحظة أو أخرى.
     عندما نتحدث عن مستقبل أفغانستان ومحيطها الإقليمي، فإننا مجبرون على التفكير بإيران باعتبارها قوة قادرة على المساعدة في استقرار أفغانستان والباكستان، وليس في إطار التوترات حول الملف النووي الإيراني. هناك مصالح مشتركة بين طهران والغرب حول جميع الملفات الهامة مثل استقرار أفغانستان ومسألة اللاجئين وتجارة المخدرات والإرهاب الجهادي. في الحقيقة، أدرك الإيرانيون الخطر الذي تمثله "إمارة" الملا عمر قبل الأمريكيين بفترة طويلة. لم يُظهر الأمريكيون انزعاجهم من هؤلاء المتطرفين المعادين للشيعة، وبالتالي المعادين لإيران، خلال الفترة الممتدة من الاستيلاء على كابول عام 1996 وحتى عمليات التفجير التي ارتكبها تنظيم القاعدة ضد السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا عام 1998. تراوحت ردود الفعل الأمريكية الرسمية تجاه استيلاء حركة الطالبان على كابول بين التصريحات الحيادية والإيجابية إلى حد ما، الأمر الذي أجبر الملا عمر في تلك الفترة على إفهام الأفغان والصحفيين الأجانب أنه ليس قوة مؤيدة للأمريكيين.
     لنتذكر تحليل أحد المختصين بأفغانستان زالماي خاليزاد Zalmay Khalizad، الذي أصبح سفير الولايات المتحدة في كابول لاحقاً، عندما دعا في تلك الفترة إلى "إعطاء الفرصة" لحركة الطالبان، وحث واشنطن على إقامة علاقات دبلوماسية معها. في تلك الفترة نفسها، كان الدبلوماسيون الأمريكيون ينتقدون إيران بسبب دعمها لتحالف الشمال بقيادة مسعود، وذلك على الرغم من أنهم يعرفون جيداً أن جزءاً من حركة الطالبان يفكر ضمن منطق "حرب الحضارات" ضد الجمهورية الإسلامية. عندما جاء فريق من الدبلوماسيين الأمريكيين في شهر شباط 1997 لعرض برنامج استعادة صواريخ ستينغر أرض ـ جو من حركة الطالبان، رفضت الحركة تسليمها. كان من الممكن أن يسمح تسليم هذه الصواريخ بالحصول على مبلغ مالي هام، ولكن حركة الطالبان كانت تتمنى الحفاظ عليها لكي تتمكن من استخدامها ضد إيران بعد سحق تحالف الشمال بقيادة مسعود. إن مصدر هذه المعلومات ليس اعترافات أحد العناصر السابقين في وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، بل من الكتاب المشهور جداً بعنوان: (Ghost Wars) بقلم ستيف كول Steve Coll. في مواجهة مثل هذا العداء، من الممكن أن نفهم لماذا انخرط الإيرانيون بشكل كامل إلى جانب الولايات المتحدة أثناء حملتهم ضد حركة الطالبان عام 2011، ولماذا تحركوا بفعالية للمساعدة في تحقيق الاستقرار السياسي في أفغانستان. بشكل إجمالي، يمكن الحديث عن انخراط حاسم لإيران في أفغانستان بعد عام 2001. تحركت إيران بسرعة لتهدئة أية مخاوف قومية في أفغانستان، وتم التوقيع في شهر كانون الأول 2002 على "بيان حسن الجوار" الذي أكد بقوة على احترام الإيرانيين لسلامة أراضي أفغانستان.
     لا شك أن النفوذ الاقتصادي الإيراني يتركز في غرب أفغانستان بشكل خاص. ولكن ليس هناك إمبريالية في هذا النفوذ، بل مجرد واقعية سياسية (Realpolitik): في حال سقوط الحكومة المركزية أو عودة حركة الطالبان إلى السلطة، يريد الإيرانيون ضمان علاقة جوار ودية مع أفغانستان. لقد استطاع سكان هذه المنطقة الاستفادة من هذه السياسة بشكل كبير: بنى الإيرانيون المستشفيات والمدارس فيها وأوصلوا الكهرباء إلى 350.000 أفغاني وبنوا الطرقات في منطقة حيرات (Hérat)، إنها سياسة نموذجية تجاه جارهم الأفغاني. بشكل إجمالي، هناك إدراك بأن إيران لا تستخدم أفغانستان كـ "ساحة للمعركة" ضد الأمريكيين. لا شك أن الجواسيس الإيرانيين يعملون بنشاط في أفغانستان (مثل نظرائهم الأمريكيين والصينيين والباكستانيين والهنود...). ولكن إذا أراد الإيرانيون، فبإمكانهم إزعاج القوات الأجنبية في أفغانستان كثيراً، ولكنهم لم يفعلوا ذلك أبداً. كما أن ضباط الحلف الأطلسي يعترفون بذلك.
     على الرغم من ذلك، اعتبر جورج بوش في كلمته بتاريخ 29 كانون الثاني 2002 أن إيران تُشكل جزءاً من "محور الشر" الذي يضم أيضاً عراق صدام حسين وكوريا الشمالية، وذلك على الرغم من المساعدة الثمينة التي قدمتها إيران في مكافحة حركة الطالبان. لماذا؟ هناك سببان رئيسيان لا علاقة لهما بـ "الحرب ضد الإرهاب" أو بأحداث 11 أيلول. السبب الأول هو إبراز الطموحات النووية الإيرانية. إنها مقاربة غريبة على أقل تقدير: من الصعب الاعتقاد بأن هذه الطموحات كانت مجهولة خلال شهري أيلول وتشرين الأول عام 2001 عندما كانت إيران تخدم المصالح الأمريكية. السبب الثاني الذي لا علاقة له مع تنظيم القاعدة وجميع التوترات في الشرق الأوسط هو فضيحة السفينة كارين Karine A التي كانت محملة بالأسلحة وأوقفتها القوات الإسرائيلية، وكان من المفترض وصولها إلى السلطة الفلسطينية. ولكن بعض الصحفيين الإسرائيليين بدعم من صحيفة هاآريتس الإسرائيلية أعربوا عن شكوكهم تجاه إيقاف هذه السفينة: تميل بعض المصادر المعروفة إلى التأكيد على أن تحميل هذه السفينة بالأسلحة حصل بشكل سري في إحدى مناطق التجارة الحرة في إيران في جزيرة كيش (île de Kish)، وليس في ميناء مثل بندر عباس، الأمر الذي كان سيجعل العملية أكثر بساطة ويعطيها صفة العملية الحكومية. من المحتمل أن هذه القضية كانت تتعلق بعملية تهريب قامت بها بعض الأطراف الخاصة التي تسعى إلى كسب الأموال بفضل تجارة الأسلحة.
     إذاً، إن أسباب هذا الدمج الشائن لإيران بمحور الشر ضعيفة، وأثارت الصدمة في طهران: أحس الإيرانيون بالإهانة عندما شاهدوا اسم بلدهم يقترن بنظام صدام حسين الذي اعتدى عليهم واستخدم غاز الخردل والساران في معركته ضد إيران. أدت الهجمات الكيميائية العراقية خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية إلى مقتل عشرين ألف جندي إيراني وجرح مئة ألف آخرين... الأمر الذي يدعو للسخرية هو أن الأرشيف الوطني الأمريكي يسمح لنا اليوم بمعرفة أن استخدام هذه الأسلحة البربرية اعتبره الأمريكيون في ذلك الوقت أمراً مقبولاً. كما أنه من المعروف أيضاً أن وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA ساعدت صدام حسين في هذه الهجمات... إذاً، إن دمج العراق وإيران في هذا المحور كان أمراً مهيناً ولا أساس له من الصحة. كما أن إضافة كوريا الشمالية إلى هذا المحور أعطى طابعاً هزلياً لبيان البيت الأبيض.
     نجم عن التركيز على فكرة "محور الشر" في بداية عام 2002 نتائج ضارة جداً لـ "المعركة ضد الإرهاب". لم يكن هناك إلا محور واحد يجب محاربته بعد أحداث 11 أيلول هو المحور بين تنظيم القاعدة وحلفائه الطالبان. قام تنظيم القاعدة بالتخطيط وتنفيذ تفجيرات 11 أيلول، وأعلن الحرب على الغرب ضمن منطق "صدام الحضارات". قامت حركة الطالبان بحماية بن لادن ورجاله، كما قامت بحماية الإرهابيين المتطرفين السنة من أصل إيراني وباكستاني الذي يقاتلون في بلادهم. لقد تم تفويت الفرصة لإقامة علاقات هادئة مع إيران والقضاء على الجهاد الدولي، لأنه لم يتم التعامل بجدية مع الحرب الحقيقية ضد الإرهاب وضد هؤلاء الأعداء الخطيرين فعلاً على الاستقرار العالمي.

     نحن الآن في عام 2014، وهي سنة حاسمة بالنسبة لأفغانستان. عادت حركة الطالبان بقوة، وما زال تنظيم القاعدة مصدر تهديد. فيما يتعلق بالأمريكيين وحلفائهم، إنهم يسعون فقط إلى مغادرة كابول "بشرف". تفرض لعنة الجغرافية أن الإيرانيين ليس لديهم ترف مغادرة المنطقة، وسيكونون في خط المواجهة الأول. وكما كان عليه الحال في الماضي، ستكون مصالحهم اليوم في أفغانستان هي مصالح الأمريكيين والأوروبيين نفسها. إن الخطأ سيكون في الاستمرار باعتبار الملف الأفغاني عديم الأهمية أو ثانوي. من الممكن أن يسمح هذا الملف للدول الغربية بعد عام 2014 بإقامة علاقة دبلوماسية إيجابية مع إيران بمرور الوقت، وألا تكون هذه العلاقة أسيرة القضية النووية. لا شك أن ذلك سيساعد في النهاية على حل بعض الخلافات. وهناك نقطة لا يمكن إهمالها هي أن ذلك ربما يساعد الأمريكيين والأوروبيين على النجاح مع الإيرانيين في توفير الاستقرار في أفغانستان، هذا الاستقرار الذي لم ينجح الحلف الأطلسي بتحقيقه لوحده.