الصفحات

الأربعاء، 19 شباط، 2014

(الغرب وسورية والتائه من مدينة سان دوني)

صحيفة الليبراسيون 19 شباط 2014 بقلم برنار غيتا Bernard Guetta

     نشرت صحيفة الليبراسيون يوم الخميس 13 شباط مقالاً يمثل لكمة قوية على المعدة. إنه شاب فرنسي، بالتأكيد ليس من أصول فرنسية كما سيؤكد الأغبياء، ولكن من مدينة سان دوني الفرنسية كما يقول هذا الشاب بنفسه. إنه شاب فرنسي كان يحب الحياة والذهاب إلى الملاهي، ولم يكن عاطلاً عن العمل بل يكسب ثلاثة آلاف يورو شهرياً. يحكي هذا الشاب كيف "قرر أن يصبح إرهابياً في نظر القانون الفرنسي".
     قام هذا الشاب بذلك لأنه لم يعد يتحمل "لا مبالاة العالم" تجاه المأساة السورية. مع قراءة هذا المقال فقرة بعد فقرة، أحسست بالتعاطف يتصاعد في داخلي، وذلك بشكل يتناقض كلياً مع نفسي. يقول هذا الشاب أنه أصبح "جهادياً"، إنه خيار لا يمكنني الموافقة عليه، ويمثل كل ما أشمئز منه. أصبح هذا الشاب معجباً بأسامة بن لادن، هذا الواهم الذي كان يحلم بتسريع الحرب بين الإسلام والغرب، وقتل من المسلمين أكثر بكثير مما فعل الغرب، وأغرق العالم العربي في بؤس أكبر، وساهم في تراجع دولة القانون في الولايات المتحدة. أصبح هذا الرجل يمثل كل ما أكرهه.
     لا يفهم هذا الشاب شيئاً، ولا يعرف شيئاً، ويظهر بوضوح جهله أن بلده فرنسا بذلت كل جهدها لمساعدة التمرد السوري. الأسوأ من ذلك أيضاً هو تهوره الإجرامي عندما أخذ معه زوجته وابنتيه البالغتين من العمر ست وثماني سنوات إلى سورية. لا أستطيع تأييده بشيء، ولكنه اتصف على الأقل بفضيلة الاستنكار على الرغم من كل جحشنته وجهله السياسي. لم يعد يتحمل ما لا يمكن تحمله، لم يعد يتسامح مع العالم الذي لا يقوم بشيء فعلي ضد الأسد وعائلته الحاكمة التي تُهيمن على سورية، وأطلقت النار في ربيع عام 2011 على متظاهرين يطالبون بالديموقراطية بدون عنف، ورفضت أي تنازل بشكل دفع السوريين نحو رعب لا اسم له.
     سورية اليوم هي مئة وأربعين ألف قتيل، وأطفال يتعرضون للتعذيب والاغتصاب أمام آبائهم لنشر الرعب، وبلد مدمر، وأحياء ومدن يتم تجويعها وحرقها من السماء بشكل ممنهج،  وآباء لعائلات يتم اعتقالهم بمجرد خروجهم من جحيم حمص تحت حماية الأمم المتحدة، ودعوة متعمدة لتأجيج الإسلاميين الأكثر تطرفاً لكي تتمكن هذه الدكتاتورية الدموية من الاختباء وراء "مكافحة الإرهاب".
     نعم، توصلت في النهاية إلى أن هذا الجهادي التائه يتصف بمشاعر نبيلة أكثر مما يتصف به نواب مجلس العموم البريطاني الذي صوتوا على التدخل في العراق، ولكنهم رفضوا إطلاق الصواريخ ضد القواعد العسكرية للأسد. نعم، أنا شعرت بالتقدير تجاهه بشكل أكبر من التقدير تجاه هذه الأغلبية العمياء في الكونغرس الأمريكي التي منعت باراك أوباما من الاقتداء بفرنسا التي كانت تريد عدم السماح بالإفلات من العقاب بعد استخدام جزار دمشق للغاز القاتل في المعارك.
     إن جميع الوسائل متوفرة أمام هؤلاء النواب لكي لا يُخطئوا حول هذه النقطة، ولكن هذا الشاب لا يملك هذه الوسائل، وليس لديه إلا الاستنكار. إنه يُذكرني بأولئك المتطوعين في الكتائب الدولية الذين كانوا يعتقدون أن الطريقة الأفضل لمحاربة الفاشية الاسبانية هي الانضمام إلى كتائب ستالين بدلاً من الانضمام إلى الكتائب الديموقراطية. إنه معذور لأنه ليس رجل سياسة، في حين أن أولئك الذين من المفترض أن يكونوا رجال سياسة، ويحصلون على أجرهم لقاء ذلك، ليس لديهم عذر لأن نتائج خطأهم مخيفة.
     كان من الممكن إعادة التوازن إلى موازين القوى بين السلطة والتمرد، لو أن مراكز القيادة والمطارات التابعة للنظام السوري قد تم تدميرها كما كان يتمنى فرانسوا هولاند وباراك أوباما. إن دخول الديموقراطيات الغربية إلى الساحة، ربما كان لن يترك أي فسحة أمام الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، هذه المجموعة المتطرفة جداً لدرجة أنه حتى تنظيم القاعدة ابتعد عنها في النهاية، وهذا ما حصل أيضاً مع جهادي مدينة سان دوني الذي تركها بسرعة. وربما لم يكن المتمردون مضطرين اليوم للقتال على جبهتين: ضد هذه المجموعة وضد الجيش السوري وجنوده الإضافيين من حزب الله اللبناني. وربما اضطرت السلطة السورية للتنازل قليلاً والقبول بمفاوضات حقيقية في جنيف وتشكيل هيئة انتقالية تنفيذية مكلفة بتنظيم انتخابات حرة وإيجاد تسوية بين جميع مكونات الموزاييك السوري.
     ربما لن يحل ذلك كل شيء، وما زال الحل بعيداً، ولكنه سيترك فسحة للأمل. بينما يقتصر دور الأوروبيين الآن على التوسل أمام فلاديمير بوتين من أجل أن يقبل بالضغط على بشار الأسد لكي يتنازل ويقبل بإظهار القليل من المرونة. انتصرت البربرية، ويتزايد عدد أطفال الإسلام الضائعين في أوروبا، لأن الأنظمة الديموقراطية غير منطقية، ولأن السيد بوتين الذي يفكر بمستقبله وبأوكرانيا لا يريد انتصار تمرد شعبي على دكتاتور آخر. إن الطغاة في العالم يغذون الطغيان الجهادي.