الصفحات

الجمعة، 20 حزيران، 2014

(العراق: الرجل الذي أرعب العالم)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 19 حزيران 2014 بقلم سارا دانييل Sara Daniel

     من هو أبو بكر البغدادي هذا النبي الدموي الذي بدأ بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟ وُلِد أبو بكر البغدادي عام 1973 في منطقة ديالا شرق العراق. من الصعب معرفة وجهه الحقيقي لأنه يهرب من الكاميرات، ولديه العديد من الأسماء المستعارة (المداوي، البدري، ...) لدرجة تسميته بـ "الشبح". إنه الخليفة غير المرئي، وحتى أقرب مساعديه لا يرونه إلا بغطاء على رأسه. إنه يُطبق دروس معلمه أبو مصعب السوري الذي كان أحد المنظرين الأوائل الذين انتقدوا استراتيجية بن دلان، وسخروا من ميله للدعاية، وكتب عنه أبو مصعب السوري منذ عام 1999: "إن أخانا مصاب بعدوى مرض الشاشات والفلاشات والمعجبين والتصفيق".
     لا يتجرأ أحد على ذكر اسم أبو بكر البغدادي في الرقة التي أصبحت عاصمة لإمبراطوريته. إن كل شيء ممنوع فيها: الدخان والموسيقى وحتى كرة القدم. صدرت فتوى بتحريم مشاهدة كأس العالم، وأخرى تمنع نهائياً الحديث عن أمير الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. دفع رجل الدين اليسوعي باولو دالوغليو ثمناً باهظاً لارتكابه هذه الخطأ بإهانة الخليفة، وذلك عندما ذهب إلى الرقة بتاريخ 27 تموز 2013، وطلب مقابلة البغدادي لكي يتفاوض مع الأمير حول الإفراج عن الصحفيين المعتقلين لدى المجموعة الأصولية. تم اعتقاله وإحالته بعنف إلى محكمة المدينة: من هذا الرجل الذي يتجرأ على ذكر اسم الأمير، والأخطر من ذلك أنه يريد مقابلته؟. بعد يومين، قام حوالي عشرة أشخاص بخطف الأب باولو أمام المنزل الذي كان يقيم فيه، وكانوا يريدون إرساله إلى أبو إيمان العراقي، أحد معاوني البغدادي. أشار أحد الشهود الذين حضروا الحادثة إلى أن بعض أعضاء جيش الدولة الإسلامية طلبوا من مرافقي الأب باولو أن يرحلوا، ولكن أحدهم رفض ذلك، فتعرض للقتل فوراً، وقال أحد أعضاء الميلشيا ساخراً: "هل يريد أحد أن يبقى؟". اقتيد الأب باولو، ولم يراه أحد منذ ذلك الوقت.
     طلب الرئيس السوري بشار الأسد قبل أسبوعين تقريراً من جواسيسه حول مجموعة البغدادي. يتضمن هذا التقرير بعض المعلومات الدقيقة مثل أسماء ثمانية ألاف عضو في الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ومحاضر استجواب العديد من الجهاديين المعتقلين. بالمقابل، إنه تقرير فقير بالمعلومات حول السيرة الشخصية لنجم الجهاد العالمي الجديد. يضم التقرير مجموعة من المعلومات المتفرقة والمتناقضة أحياناً والقديمة في غالب الأحيان، إن مصدر هذه المعلومات هو الاستخبارات الأمريكية أو العراقية بشكل خاص. عرفنا من هذا التقرير أن الأمير لديه بنت اسمها ضحى (Doha). درس البغدادي في الجامعة الإسلامية في العراق، وهو إمام مُتميّز ومُصاب بجنون العظمة، وأعد أطروحة حول أصول عائلته التي أوصلها إلى الرسول. كان يؤم الصلاة في جامع أحمد بن حنبل في منطقة ديالا. حمل السلاح للمرة الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 عبر الهجوم على قوافل الجيش الأمريكي مع بعض المجموعات المسلحة الصغيرة التي تتألف من بعض الجنود السابقين لدى النظام. أقام بعض العلاقات داخل المنطقة الحدودية، واستفاد من هذه العلاقات لاحقاً عندما نقل معركته إلى داخل الأراضي السورية. كان ينظم انطلاقاً من مدينة القائم مرور الجهاديين السوريين الذين يرسلهم بشار الأسد بالحافلات من دمشق لمكافحة الاحتلال الأمريكي. وهكذا بدأ يصعد شيئاً فشيئا في تراتبية المقاومة العراقية.
     تأثر جهاد البغدادي بالحقد على الشيعة. اعتقل الأمريكيون أبو بكر البغدادي في بداية عام 2007 عندما كانوا يقنعون القبائل البدوية بالتمرد على جهاديي تنظيم القاعدة، ثم خرج من السجن في شهر نيسان 2010 ليصبح زعيم منظمة باسم "الدولة الإسلامية في العراق"، وارتكب العديد من التفجيرات الدامية منها التفجير ضد كاتدرائية بغداد (46 قتيلاً).
     اندلعت الحرب بسرعة بين الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام وبين جبهة النصرة في سورية. إن هاتين المجموعتين لا تعملان من أجل الأهداف نفسها؛ هذا ما قاله أبو إيمان العراقي، معاون أبو بكر البغدادي، إلى سجانيه السوريين بعد اعتقاله على الحدود السورية قبل عدة أسابيع. تعتبر المجموعة العراقية أن الكفاح ضد نظام بشار الأسد أمر ثانوي، وأن هدفها الأساسي هو إلغاء "حدود سايكس بيكو" المصطنعة في الشرق الأوسط، واستيراد الحرب الطائفية المشتعلة في العراق منذ وقت طويل إلى سورية. استولى جيش البغدادي شيئاً فشيئاً على المناطق النفطية في سورية، واكتسب صداقة القبائل عبر التنازل لهم عن استثمار الآبار النفطية. أصبحت سماء دير الزور سوداء بسبب تصفية النفط في الآلات المحملة على سيارات البيك آب بالقرب من الآبار.