الصفحات

الثلاثاء، 3 حزيران، 2014

(طريق المصالحة الضيق في حمص المدمرة)

صحيفة الفيغارو 3 حزيران 2014 بقلم مراسلها الخاص في حمص جورج مالبرونو Georges Malbruont

     عندما قام بشار الأسد بتعيين طلال البرازي محافظاُ لحمص قبل ثمانية أشهر، كلفه الرئيس بـ "مهمة استئناف الاتصالات مع جميع فئات المجتمع". هذا ما يتذكره طلال البرازي الذي كان أحد رجال الأعمال الناشطين في دول الخليج، ولم يرتبط بالجهاز الأمني للنظام المسؤول عن القمع الدامي منذ ثلاث سنوات. أشرف المحافظ على رحيل حوالي ألف وخمسمائة متمرد مُنهك في بداية شهر أيار مع أسلحتهم الخفيفة من المدينة القديمة بحمص التي تحولت إلى ساحة من الأنقاض بعد عامين من الحصار القاسي. تجري مفاوضات جديدة منذ ذلك الوقت من أجل إخراج ما بين ثلاثة وأربعة آلاف متمرد آخر من حي الوعر الذي يمثل آخر معقل للمتمردين في "عاصمة الثورة" سابقاً، وقد امتلأت مدينة حمص بصور الأسد الذي سيتم انتخابه بعد الانتخابات الرئاسية يوم الثلاثاء 3 حزيران.
     أعرب طلال البرازي عن سروره قائلاً: "الوضع هادىء منذ أسبوعين" مشيراً إلى أن حي الوعر يبعد كيلومتراً واحداً عن مكان إقامته الذي يحظى بحماية فائقة. قام طلال بلازي بالاجتماع عشر مرات مع شيخ يفاوض باسم المتمردين، بالإضافة إلى مواعيده الهاتفية الكثيرة عبر السكايب SKYPE. ينقسم المتمردون إلى ثلاثة مجموعات: السلفيون في الجبهة الإسلامية، والمعتدلون في الجيش السوري الحر، والمتطرفون في جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى بعض الناشطين التابعين للقبائل المجاورة.
     قال طلال البرازي: "ما زلنا بحاجة للمزيد من الوقت، أسبوع أو شهر أو ربما أكثر. أنظر بإيجابية إلى عدم قيام محاوري بالرد فوراً، لأنه يجب عليه أن يطلب رأي إدارته خارج سورية. ولكن الأمر المهم هو أن المقاتلين أصبحوا يريدون التفاوض". نجح الجيش في النهاية بالانتصار في معركة الاستنزاف عبر تضييق الحصار من جميع الجهات، مع احتمال تدمير المدينة الثالثة في سورية عبر القصف الدامي. قال قائد أحد المجموعات المسلحة متأسفاً: "لقد تم استبدال الجنود الذين كانوا يبيعوننا البنزين والسلاح والطعام بجنود آخرين أكثر إخلاصاً".
     تم التوصل في النهاية إلى قطع خطوط الإمدادات عن حي الوعر انطلاقاً من شمال حمص الذي توقفت فيه القرى المختلطة بين العلويين والمسيحيين عن السماح بمرور المقاتلين المعارضين للأسد. لقد وجد سكان هذه القرى البالغ عددهم ثلاثمائة ألف نسمة مع مرور الوقت أن تواجد المتمردين أصبح عبئاً ثقيلاً، الأمر الذي سهل تسلل عملاء النظام داخل التمرد. اعتبر محافظ حمص أنه "لم يعد أمامهم خيار آخر"، وأضاف رجل أعمال شارك في المفاوضات قائلاً: "تملك الأجهزة الأمنية قائمة بأسماء جميع المتمردين".
     تم تأجيل جولة أخرى من المفاوضات يوم الخميس 29 أيار. يشعر النظام أنه في وضع قوي، ويطالب خصومه بالتخلي عن أسلحتهم بخلاف الاتفاق حول حمص القديمة، ولكنه يقترح عليهم البقاء في حي الوعر. إذا كان ممثل المتمردين لم يحضر إلى الموعد، فإن السبب هو الريبة الكبيرة السائدة بين الطرفين. لم يؤد بعض المتمردين الخدمة العسكرية، ووردت أسماء  البعض الآخر منهم في قوائم الأجهزة الأمنية بسبب ارتكابهم "نشاطات خطيرة". يخاف الجميع من تعرضه للاعتقال في حال استسلامهم. هذا هو الحال بالنسبة لمائة وعشرين متمرد سابق في المدينة القديمة. من الناحية الرسمية، إنهم في مرحلة "إعادة التربية" في مدرسة الأندلس، إنه مثال فريد من نوعه في سورية، وقد استطعنا زيارة هذه المدرسة في المدينة القديمة. ولكن هؤلاء "التائبين" يخشون أيضاً أن يتعرضوا للتعذيب من قبل بقية المتمردين ولانتقام بعض المتطرفين المؤيدين للأسد. أكد المحافظ قائلاً: "أرسل الرئيس لي أمراً بالإفراج عنهم خلال الأيام القادمة".
     هناك مشكلة أخرى تزيد من تعقيد عملية المصالحة، وهي مشكلة مئتي أو ثلاثمائة رهينة بأيدي المتمردين. هؤلاء الرهائن هم بعض عناصر الميليشيات المؤيدة للنظام، ولاسيما بعض الجنود العلويين. أكد طلال البرازي قائلاً: "إن الإفراج عنهم أمر يحظى بالأولوية"، واعترف أنه يجب التمتع بالمرونة قائلاً: "إذا أراد البعض أن يغادروا مع أسلحتهم، سنسمح لهم بذلك". ولكن يجب على السلطة أيضاً أن تأخذ المتطرفين لديها بعين الاعتبار. قال أحد المراقبين الدوليين: "في لحظة الاتفاق حول المدينة القديمة في حمص، تعرض وسطاء الأمم المتحدة للهجوم من قبل بعض عناصر الميليشيات المؤيدة للنظام الذين يرفضون أي تنازل، لأنهم في خط المواجهة الأول لحماية السلطة".
     هل تمثل مفاوضات المصالحة فرصة لإعادة الهدوء إلى سورية؟ ربما يتحقق ذلك في حمص، ولكنها ستكون صعبة جداً في المناطق الأخرى. قال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين: "كان نجاح الاتفاقات السابقة في ضواحي دمشق محدوداً، ولم تنجح في مخيم اليرموك، ولم تنجح كثيراً في برزة لأن السلطات لم تلتزم بوعودها بالإفراج عن السجناء. كما يعتمد ذلك أيضاً على القادة المحليين وعلى موازين القوى بين المعتدلين والجهاديين الذين يرفضون أي اتصال مع السلطة".

     أشار أحد خبراء الأمم المتحدة في دمشق إلى أن النظام يعارض أي حل سياسي للأزمة، وقال: "يسعى النظام إلى التوصل لاستقرار الوضع على الأرض". في نهاية هذه المفاوضات، جرى طرد المتمردين الأكثر راديكالية باتجاه معاقلهم في الشمال التي لا يملك الجيش الوسائل لاستعادتها، بينما تم تعزيز السيطرة على المنطقة الممتدة من جنوب مدينة حماة حتى درعا مروراً بحمص ودمشق والمنطقة الساحلية. قال المحافظ مبتسماً: "سيأخذ ذلك بعض الوقت، ولكننا نتحلى بالصبر".