الصفحات

الخميس، 26 حزيران، 2014

(العراق، الصدمة الجديدة للحضارات)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 26 حزيران 2014 ـ مقابلة مع أستاذ تاريخ العالم العربي في الكوليج دو فرانس هنري لورانس Henry Laurens ـ أجرى المقابلة رومان غوبير Romain Gubert

سؤال: هل يمكن تصور انفجار الحدود في الشرق الأوسط؟
هنري لورانس: يريد جهاديو داعش إقامة خلافة إسلامية بين سورية والعراق، ولكنه حلم ووهم. لا يملك البلدان تاريخاً مشتركاً، والمبادلات التجارية غير منسجمة، والقبائل تتنافس على طرفي الحدود. في الحقيقة، لم يكن تقدم داعش باتجاه بغداد ممكناً لولا اعتماده على البعثيين السابقين الذين يريدون الانتقام من السلطة الحالية في بغداد. إنه تحالف سني يريد إسقاط رئيس الوزراء العراقي الشيعي نوري المالكي الذي تحول شيئاً فشيئاً إلى مستبد، ولكن التوترات بدأت تظهر في هذا التحالف. إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من النجاحات العسكرية، لا تملك المجموعات المقاتلة برنامجاً سياسياً مشتركاً ومنسجماً. هناك أيضاً المسألة الكردية، وهي مسألة أساسية. استولى الأكراد على كركوك، ويريدون تعزيز حكمهم الذاتي تجاه بغداد أو حتى الحصول على استقلالهم والمطالبة بضمانات حول إعادة توزيع العوائد النفطية. يكمن السؤال في معرفة إذا كانت تركيا وإيران ستقبلان بكردستان مستقل ويمكن أن ينتشر على جزء من سورية.
سؤال: ولكن الحدود العراقية تبدو اليوم كما لو أنها غير منطقية...
هنري لورانس: تم رسم هذه الحدود غداة الحرب العالمية الأولى في مؤتمرات الدول المتحالفة ولاسيما مؤتمر سان ريمو عام 1920، وليس عبر اتفاقيات سايكس ـ بيكو عام 1916 كما يُعتقد. بالتأكيد، انتهى العداء الفرنسي ـ البريطاني الذي حسم الأمور بسرعة في ذلك الوقت. ولكن هذه الحدود عمرها مئة عام، ولا يمكن إزالتها بهذه السهولة. تكونت عدة مجتمعات وتاريخ قومي خاص لكل منها خلال مئة عام، وأنتجت هويات مختلفة أكثر فأكثر. لم يعد ممكناً تغيير الجنسية في أوروبا والعالم العربي بسهولة. بالمقابل، من الممكن التساؤل حول مستقبل العراق الذي يمكن ينفجر داخلياً مع الحفاظ على حدوده الخارجية.
سؤال: هناك اليوم تناقض كبير: تتعاون إيران والولايات المتحدة من أجل حماية بغداد...
هنري لورانس: يمكن أن يكون هناك مصلحة مشتركة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن واشنطن لن تتنازل إطلاقاً حول الملف النووي الإيراني. إذاً، يدخل "تحالفهما" في نطاق الأمور المُضمرة وغير المُعلنة، ولن يتحول إلى واقع ملموس إلا من أجل "إنقاذ" بغداد. كانت هناك دوماً تحالفات متناقضة وظرفية في هذه المنطقة التي تتصف بالتعقيد. خلال سنوات الثمانينيات، كان هناك محور دمشق ـ طهران الذي كان يهدف في ذلك الوقت إلى تشجيع سلطة موالية لسورية وإيران في بغداد، ولكن دمشق كانت مستعدة للتخلي عن هذا المحور مقابل استعادة الجولان المحتل. فيما يتعلق بحرب لبنان، ظهر تحالف بين المارونيين والفلسطينيين خلال بعض الوقت على الرغم من العداء القاتل بينهما. لقد سمح صراع الدول العربية ضد إسرائيل بإخفاء هذه التحالفات المتقلبة ونسيان الانقسامات بين هذا الطرف وذاك. تجري هذه الأمور بشكل أكثر علنية اليوم: تدعم إيران بشار بشكل كامل، ولم تعد إسرائيل وتركيا حليفتان. مثال آخر، الاضطرابات في مصر منذ ثلاث سنوات: عندما كان مرسي والإخوان المسلمين في السلطة، كانت قطر وتركيا أفضل حلفاء القاهرة، وكان بشار الأسد هو العدو. تغير الوضع اليوم: تدعم السعودية حالياً السيسي الذي لا يعمل إطلاقاً ضد بشار الأسد.
سؤال: وسورية تراهن على ذلك...
هنري لورانس: في الحقيقة، يعرف بشار الأسد بشكل ممتاز كيف يراهن على هذه التغيرات في التحالفات حتى لو كان يقوم بتدمير شعبه وبلده، إن انتهازيته هي أفضل أوراقه. على سبيل المثال، كانت حماس مدعومة من سورية وإيران، ولكن حماس قطعت علاقاتها معهما بعد اندلاع الثورة السورية على أمل الحصول على دعم مرسي في مصر، وهذا هو السبب في عزلتها حالياً. ينطبق الأمر نفسه على قطر التي حاولت التقارب مع دمشق في فترة المظاهرات الأولى ضد النظام، واقترحت تمويل الإصلاحات التي لم تأت أبداً، وهي تقوم حالياً بتمويل المعارضة في دمشق.
سؤال: هل ما يحدث اليوم هو حرب سنية ـ شيعية؟
هنري لورانس: إن هذا النزاع السني ـ الشيعي موجود فعلاً في التصور الجهادي. كان خالد قلقال الذي نظم عمليات التفجير في فرنسا عام 1995 يقول في "وصيته" أن اليهود هم الذين اخترعوا المذهب الشيعي.  يمكنني القول أن العداء القديم بين السنة والشيعة هو حقيقة كانت تتجه نحو التهدئة منذ القرن التاسع عشر، ولكنها استعادت قوتها بسبب الوضع السياسي الذي خلقته الثورة الإيرانية عام 1979. تحرر الشيعة في لبنان والعراق، ولكنهم انغلقوا على أنفسهم في إطار طائفي. إن نشر الديموقراطية الأمريكية في العراق منذ عام 2003 خلط بين الأغلبية السكانية والأغلبية الديموقراطية. رفض المالكي دومأً أن يحكم مع بعض العناصر السنية التي تمثل طائفتها، وهذا هو سبب التمرد الحالي.
في سورية، راهن بشار على الانقسام الطائفي من أجل البقاء في السلطة، ولكن هذا الانقسام لم يكن موجوداً مع بداية الثورة السورية عام 2011. أصبح هذا الانقسام الطائفي محور النزاع بسبب عنف النظام. إن هذه "الحرب" بين السنة والشيعة تشبه قليلاً الحرب بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا. بالتأكيد، هناك جذور دينية لهذه الحرب، ولكنها تخفي أيضاً التنافس على السلطة. عندما أصبح المذهب الشيعي الدين الرسمي للدولة الفارسية، بدأت ثلاثة قرون من الحرب، ولكن ليس لأسباب دينية، بل بسبب التنافس بين الإمبراطوريات. أكد مبارك قبل سقوطه أنه يوجد الكثير من الشيعة في مصر وأنهم يشكلون خطراً على الرغم من أنهم لا يشكلون إلا 1 % من سكان مصر، وذلك من أجل تحويل الأنظار عن التوترات. التزم مرسي بالخطاب نفسه. على أي حال، لا يمثل العالمان السني والشيعي أوضاعاً منسجمة. هناك العديد من الانقسامات داخلهما، وليس هناك انسجام نسبي إلا عندما يتم النظر إلى الآخر باعتباره تهديداً.
سؤال: يبدو أن تنظيم القاعدة يتراجع أمام الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام...
هنري لورانس: إن تاريخ الجهاد العالمي قديم. تُظهر الثورة الإيرانية عام 1979 أنه من الممكن إسقاط السلطات الحاكمة. قدّم آية الله الخميني نفسه كزعيم للعالم الإسلامي بعد نجاح الثورة، ولكنه لم ينجح في ضم السنة. شاركت العناصر الأكثر راديكالية لدى السنة في الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، ثم تحول هذا الجهاد إلى جهاد عالمي ضد الدول الغربية واليهود والشيعة. كان بن لادن يشبه قليلاً التلميذ الجدي لتشي غيغارا: قام بمضاعفة أماكن النزاع في الشيشان والبوسنة واليمن وأفغانستان بشكل يشبه "منارات" الثائر الأرجنتيني. تجذرت هذه البؤر الجديدة للصراعات لدى الأوساط القبلية أيضاً، وجذبت إليها المتطوعين الذين جاؤوا من كل مكان وحتى من الدول الغربية، ويمكن تسميتهم بـ "اللصوص". يمكن ملاحظة فعالية الكفاح الذي يستخدم جميع وسائل الاتصال المتوفرة عبر الأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. إن الجهاد العالمي هو أول "حركة عبر الأنترنت" في القرن الواحد والعشرين، وليست له قيادة مركزية، وحصلت فروعه على استقلالها.
سؤال: كيف تحللون التقدم المدهش للجهاديين على الأرض؟
هنري لورانس: كان الجهاديون موجودين في المنطقة منذ سنوات التسعينيات، ولكن تم إبقاؤهم بعيداً أو حتى التلاعب بهم. استخدمتهم سورية لمواجهة المقربين من عرفات في لبنان. قامت سورية بلعبة غريبة أثناء حرب العراق عام 2003، واستخدمتهم من أجل زعزعة الولايات المتحدة في المناطق السنية العراقية، وكانت تُسلحهم أحياناً أو تفتح سجونها لإرسالهم إلى العراق. وفي الوقت نفسه، كانت سورية تعطي المعلومات إلى الأجهزة السرية الغربية وتقمع الجهاديين بشكل كبير كلما كان ذلك ضرورياً. في الحقيقة، كانت دمشق خائفة من أن تواصل الولايات المتحدة طريقها بعد بغداد، وهذا هو السبب في رهانها المزدوج. هذا هو الوضع نفسه مع الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام حالياً، إنها ليست من صنع بشار، ولكنه سمح لها بالانتشار من أجل إضعاف المعارضة المسلحة المعتدلة التي تحافظ على علاقات جيدة مع الغرب. ولكن الظاهرة الجديدة هي هذا التدفق لـ "اللصوص" الأوروبيين وحتى الأمريكيين، وغالباً من المجرمين أو الشباب المنقطعين عن المجتمع. أصبح من السهل جداً بفضل الأنترنت العثور على نقطة اتصال من أجل القيام بالجهاد، ويعتمد بشار عليهم من أجل الحصول على تغيير موقف الدول الغربية لصالحه...
سؤال: ما هي مسؤولية القوى الغربية؟
هنري لورانس: كان الدبلوماسيون الفرنسيون يعتبرون أن سورية كانت سرطاناً، وأنه كان يجب معالجته بسرعة من أجل تجنب انتشاره إلى لبنان والعراق والأردن. لقد وصلنا إلى هذه المرحلة. إن الجهاديين موجودون في سيناء، ويعتقد البعض أنه لديهم نقاط اتصال في فلسطين. لم ترغب الولايات المتحدة بالمتابعة لأنها "مُتعبة" من الحروب في أفغانستان والعراق. يعني ذلك أن مسؤوليتها كبيرة. زعزعت حرب عام 2003 الاستقرار في المنطقة. نحن اليوم أمام حرب أهلية في العراق.
سؤال: هل تتهرب الولايات المتحدة من تحمل مسؤولياتها؟
هنري لورانس: إن السبب الوحيد الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى التدخل هو إمدادات النفط. لم تتخل الولايات المتحدة عن دورها كمُنظم للنزاعات، ولكنها تهتم بأسيا أكثر ولاسيما بحر الصين. يبدو ذلك أكثر أهمية من الشرق الأوسط بالنسبة لإدارة أوباما. إن افتقار الصينيين للدبلوماسية دفع بجيرانهم إلى أحضان الأمريكيين. ما زالت الولايات المتحدة شرطي العالم لأنها تسيطر على طرق النفط، وتضطلع بدور "نقابة" الدول المستهلكة. يسمح لها ذلك بأن تكون أفضل حليف للسعودية وقطر في الوقت نفسه، وألا تعترض أوروبا واليابان على دورها، الخ. يضمن الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط والأسطول الأمريكي الخامس في المحيط الهندي السيطرة على الطرق البحرية. إذا أصبحت الصين عدوانية، تستطيع الولايات المتحدة عرقلة كل شيء خلال يومين وتركيع الصين. إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من ذلك، إن الولايات المتحدة هي القوى العظمى الوحيدة القادرة على القيام بتحالفات عسكرية ونشر قواتها في مناطق بعيدة.