الصفحات

الأربعاء، 18 حزيران، 2014

(تشيس فريمان: "نحن نسير باتجاه نهاية حدود الشرق الأوسط")

صحيفة الفيغارو 18 حزيران 2014 ـ مقابلة مع السفير الأمريكي السابق والمختص بشؤون الشرق الأوسط والصين تشيس فريمان Chas Freeman ـ أجرت المقابلة مراسلتها في واشنطن لور ماندفيل Laure Mandeville

سؤال: هل ما زال هناك دور تقوم به الولايات المتحدة تجاه تفاقم الوضع في العراق بعد أن حاربت عشر سنوات فيه؟
تشيس فريمان: نحن نعيش المرحلة الأخيرة التي وصلنا إليها في المعارك الطائفية المشتعلة منذ الغزو الأمريكي للعراق، وامتدت هذه المعارك إلى سورية، وأدت السياسات الحمقاء لعرب الخليج والأمريكيين وفرنسا في سورية إلى تسريع كارثة تتجه نحو ولادة نوع من الخلافة السنية. ستشمل هذه الخلافة السنية جزءاً من سورية وربما جزءاً من لبنان والعراق. نحن لا نستطيع القيام بأي شيء. بالتأكيد، ستطلب الحكومة الشيعية العراقية برئاسة المالكي المزيد من الأسلحة والمساعدة. ولكن المشكلة ليست عسكرية بل سياسية. إن تخلي الجيش العراقي عن أسلحته ومعداته تجاه الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام من أجل الهروب يؤكد هذه الحقيقة. بالتأكيد، لن يتدخل الأمريكيون مرة أخرى في العراق بشكل مباشر عبر إرسال الجنود على الأرض. إنها حرب أهلية عراقية، وهي أيضاً جزء من الحرب الأهلية السورية. نحن نسير باتجاه نهاية حدود الشرق الأوسط التي رسمها سايكس وبيكو.
سؤال: هل سنشهد نهاية الدول التي تشكلت في تلك الحقبة؟
تشيس فريمان: هناك تقسيم بحكم الأمر الواقع في العراق الذي أصبح شماله كردياً متصلاً بالمناطق الكردية في سورية. هناك أيضاً الخلافة الإسلامية للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في سورية والعراق، وهناك حكومة فعلية في المناطق العراقية الوسطى والجنوبية يُهيمن عليها الشيعة المؤيدين لإيران، كما لم يعد هناك سيطرة حكومية فعلية على أجزاء كاملة من الدولة اللبنانية. هناك أيضاً تسعة ملايين من السوريين النازحين والعديد من العراقيين، إنه نوع من التطهير العرقي في كل مكان. وأخيراً، هناك ظهور "الدويلات الصغيرة" كما كان عليه الحال عند انهيار الإمبراطورية الرومانية. إذاً، يبدو أنه من المحتمل جداً ظهور حدود جديدة في الشرق الأوسط. أنا أرى هذا الوضع كتعاقب مستمر ومتنوع للأحداث (Kaléidoscope). تتحرك هذه الأحداث دون أن نعرف كيف ستنتهي وتستقر. ولكن من الواضح أن الماضي لم يعد مرشداً للمستقبل.
سؤال: عندما تتحدثون عن السياسات الغربية الحمقاء، ألا تُبالغون في مسؤولية الدول الغربية التي وقعت بين دكتاتورية بشار الأسد والمتمردين الإسلامويين؟
تشيس فريمان: حصلت أخطاء خطيرة جداً في التقويم من قبل جميع الأطراف، ومن السهل أن نرى بعد وقوع الأحداث لماذا حصلت هذه الأخطاء. بالغ بشار الأسد في ردة فعله تجاه الاحتجاجات الأولى بعد أن شاهد سقوط الرئيسين التونسي والمصري، ولجأ إلى قمع عنيف جداً. كان يعتقد أنه سيسحق حركة المطالبات في بدايتها، ولكنه تسبب بنتيجة معاكسة مع تحول الاحتجاج السلمي إلى تمرد مسلح. قامت دول الخليج مثل السعودية وقطر بتشجيع العنف، واعتقدت هذه الدول أن الأسد سيسقط عبر تقديم مساعدة إضافية للمتمردين. كما أرسلت الدول الغربية رسائل سيئة عندما دعت إلى رحيله. كانت مقاربة سيئة لأنها أقنعت بشار الأسد بأنه ليس هناك أي سبب للتفاوض، لأنه لماذا يتفاوض على موته؟
سؤال: توحي هذه اللوحة القاتمة التي ترسمها أن الرئيس أوباما اختار المقاربة الصحيحة عبر الانسحاب من الشرق الأوسط؟
تشيس فريمان: كان باراك أوباما واقعياً عندما اعترف بمحدودية الوسائل التي يمكن أن يتحرك من خلالها. إن ما يحصل ليس مفاجأة بالنسبة لأولئك الذين لم يعتقدوا أبداً بنجاح سياسة مكافحة التمرد التي وضعها بوش عامي 2006 و2007 لإنقاذ الوضع العسكري في العراق. أدت هذه السياسة إلى تعزيز التطهير العرقي في بغداد، وأوصلت حكومة شيعية مقربة من إيران إلى السلطة. لم تتوصل هذه السياسة إلى أي حل للانقسامات الطائفية التي أشعلها غزو العراق عام 2003. فقط أولئك الذين اعتقدوا أو ادعوا نجاح هذه السياسة هم الذين يقولون اليوم أن كل ذلك هو خطأ أوباما. في الحقيقة، قام أوباما بتنفيذ خطة انسحاب القوات الأمريكية التي وضعها بوش. ولكن الأمور لم تحصل كما كان المحافظون الجدد يتمنون.
سؤال: من المدهش رؤية إلى أية درجة ساهم العراق في تغيير الولايات المتحدة وإغراقها في الشك حول دورها.
تشيس فريمان: إنها هزيمة حقيقية. كان لهذه الحرب تأثير هائل على النفسية الجماعية للأمريكيين. ربما يمكن مقارنتها بخيبة فرنسا بعد هزيمتها أمام بروسيا عام 1870. يكمن الاختلاف بين الهزيمتين في أن الهزيمة الفرنسية كانت سريعة جداً، أما الهزيمة الأمريكية فكانت على شكل اكتشاف بطيء. ولكننا نجد الإهانة نفسها في الهزيمتين.
سؤال: هل هي نهاية العالم الأمريكي؟

تشيس فريمان: نحن نعيش منذ بعض الوقت في عالم انتقلت فيه السلطة إلى المستوى الإقليمي. لم يعد هناك مركز. تتراجع السيطرة الأمريكية شيئاً فشيئاً على ما يحصل. إن مجلس الأمن لا يعمل. هل انتهى "السلام الأمريكي"؟ لم ينته تماماً، ولكنه يتراجع. إنه أمر واقع، وتسارع مع حرب العراق، ولكن ذلك لا علاقة له إطلاقاً بأوباما.