الصفحات

السبت، 28 حزيران، 2014

(التمرد الجهادي في العراق يخلط الأوراق في النزاع السوري)

صحيفة اللوموند 28 حزيران 2014 بقلم بنجامان بارت Benjamin Barthe

     بدأ الحلم الجهادي بالتحقق في وادي الفرات بين دير الزور والفلوجة. استولى مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على مدينة البوكمال السورية يوم الأربعاء 25 حزيران بعد استيلائهم على مركز القائم الحدودي في نهاية الأسبوع الماضي. تأتي السيطرة على البوكمال كنتيجة مباشرة لانضمام القوات المحلية لجبهة النصرة ـ الجناح السوري لتنظيم القاعدة ـ إلى داعش. لم يكن هناك خيار آخر أمام قائد جبهة النصرة في البوكمال المصري أبو يوسف المصري، وذلك سقوط الموصل واستيلاء مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على الأسلحة والأموال الموجودة فيها في منتصف شهر حزيران.
     تكرر سيناريو البوكمال في عدة قرى أخرى في محافظة دير الزور، ولاسيما في قرية المحسن التي أعلنت فيها القوات التابعة للجيش السوري الحر المدعوم من  الدول الغربية وممالك الخليج عن ولائها إلى الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. قال الباحث في مركز المبادرة العربية للإصلاح Arab Reform Initiative فيليكس لوغراند Félix Legrand: "إذا انضم المتمردون إلى داعش، فإن السبب هو أنها الأكثر قوة في الوقت الحالي، ولكي لا يُعرضوا قبائلهم للخطر". ولكن إذا ذهبنا إلى الشمال قليلاً، فإن الكتائب التي تحمل اسم الجيش السوري الحر أو الجبهة الإسلامية السلفية ما زالت تقاتل الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام لأن موازين القوى أكثر اعتدالاً.
     اعتقل مقاتلو جبهة النصرة أحد الذين انضموا إلى الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في قرية المحسن، وقطعوا رأسه بتهمة الخيانة. هناك مؤشر آخر يدل على المصاعب التي تنتظر داعش في سورية، فقد قام رجال الجبهة الإسلامية بتصفية زعيم داعش في الغوطة، ووجهوا إنذاراً بإعطاء قواته مدة أربع وعشرين ساعة لإخلاء المنطقة. قال الباحث في مجموعة الأزمات الدولية نوح بونزي Noah Bonsey: "ستواجه داعش صعوبة أكبر في التقدم في سورية بالمقارنة مع العراق. إن سورية هي الحلقة الضعيفة في إستراتيجيتها العابرة للحدود الوطنية".
     تفاجأت الميليشيات الشيعية العراقية بالهجوم الصاعق لداعش، وتشعر المعارضة السورية بالرضى لسبب واحد على الأقل هو أن رئيس  الوزراء العراقي نوري المالكي استدعى الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية العراقية الذين ذهبوا لمساعدة نظام بشار الأسد. أشار البعض إلى رحيل بعضهم من اللاذقية وضواحي دمشق وحلب، وشاهد بعض الشهود قوافل الحافلات وهي تغادر ملعب كرة القدم في شمال المدينة، قال فيليكس لوغراند: "أحس الناس في حلب بالارتياح لأنهم كانوا يخشون في الفترة الآخيرة من نجاح القوات الموالية بمحاصرتهم".
     تعمل الميليشيات العراقية غالباً في المؤخرة وفي مهمات الحراسة والدوريات، بعكس اللبنانيين في حزب الله الذين يقاتلون في العمليات الهجومية بسبب خبرتهم في مجال حرب العصابات. سمحت الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية للنظام السوري بحل مشكلته الأساسية في العناصر واستعادة الأراضي من التمرد اعتباراً من منتصف عام 2013. هل سيستفيد معارضو الأسد من المعطيات الجديدة؟ أو هل ستنجح السلطة بإيجاد الوسيلة للتأقلم مع ذلك عبر زيادة عدد عناصر حزب الله؟ من الصعب معرفة ذلك في الوقت الحالي، ولكن هناك أمر مؤكد: كلما استمر النزاع في العراق، كلما ستصبح مسألة العناصر أمراً عاجلاً.
     كشف رهان مكافحة الإرهاب لنظام الأسد عن عدو جديد هو الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، وبدأت طائرات النظام بقصف المواقع الجهادية في الرقة والبوكمال بعد سقوط الموصل. كانت قوات النظام تحرص على عدم مهاجمة داعش من أجل نشر الشقاق داخل التمرد. عززت الأعمال الوحشية التي ارتكبتها داعش من الخطاب الرسمي الذي يميل إلى اعتبار جميع المتمردين كـ "متطرفين" و"إرهابيين". ولكن احتمال قيام الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بالهجوم على بغداد دفع بالسلطة السورية إلى تغيير حساباتها، ربما لم يُدرك حلفاؤها الإيرانيون أن بشار الأسد سيبقى سلبياً تجاه أخطار كسر  المحور  الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت.

     تأمل دمشق باستعادة الحظوة لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر المساهمة في الحرب ضد داعش التي أصبحت العدو اللدود للمجتمع الدولي. اعتبر نوح بونزي أن هذه المناورة ستُمنى بالفشل، وقال: "لا أرى كيف يمكن أن يكون الزعماء الغربيون ساذجين إلى درجة اعتبار الأسد كشريك في مكافحة الإرهاب. يمثل النظام السوري جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل، وكان وزير الخارجية الأمريكي كيري واضحاً جداً حول ذلك. إن ما تفعله دمشق اليوم ضد داعش قليل جداً ومتأخر جداً".