الصفحات

الاثنين، 23 حزيران، 2014

(التحالف الكردي ـ التركي الغريب في العراق)

صحيفة الليبراسيون 23 حزيران 2014 بقلم مراسلها الخاص في ديار بكر (تركيا) مارك سيمو Marc Semo

     يكشف صمت السلطات التركية حول ما يجري في كركوك عن الرهان المحوري الذي تمثله هذه المدينة في المعضلة العراقية. ما زالت أنقرة صامتة منذ سيطرة البشمركة بتاريخ 12 حزيران على هذه المدينة التي يُطالب بها الأكراد منذ وقت طويل كعاصمة لهم، وذلك على الرغم من أن تركيا كانت تعتبر منذ عدة سنوات أن مصير هذه المدينة النفطية التي يسكنها التركمان والأكراد والعرب يمثل خطاً أحمراً بالنسبة لها أو حتى عملاً عدائياً. يُظهر الصمت التركي الرسمي أيضاً حيرة الحكومة الإسلامية المحافظة برئاسة رجب طيب أردوغان تجاه تسارع الأحداث وعلاقاتها الوثيقة مع رئيس المنطقة الكردية العرقية مسعود بارزاني.
     أصبح الحكم الذاتي للأكراد العراقيين عاملاً إيجابياً لأنقرة بعد أن كانت تعتبره تهديداً لفترة طويلة. قال الكاتب التركي سنغيز كاندار Cengiz Candare على هامش مؤتمر نظمه الاتحاد الأوروبي حول المسألة الكردية في مدينة ديار بكر: "تعتبر تركيا أن الحكم الذاتي للأكراد العراقيين وسيلة لتأكيد دورها على الساحة الإقليمية المضطربة مع دخول الأكراد إلى التاريخ". يعيش أكثر من نصف أكراد الشرق الأوسط في تركيا (15 مليون نسمة على الأقل)، ويمثلون 15 % من سكان تركيا، وهذا هو السبب الذي يدفع تركيا إلى الإسراع بإيجاد حل سياسي للمسألة الكردية في تركيا.
     تواجه السياسة الإقليمية لحكومة رجب طيب أردوغان مصاعب كبيرة منذ سنتين، وفشلت في رهانها على التمرد السوري، وساءت علاقاتها كثيراً مع القاهرة بعد أن انتقدت أنقرة "الانقلاب" الذي قام به الرجل القوي الجديد عبد الفتاح السيسي، كما ساءت علاقاتها أيضاً مع الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، ولم يبق لها إلا السلطة الإقليمية في كردستان. قال الكاتب التركي سولي أوزيل Soli Ozel: "أصبحت أنقرة وأربيل أكثر حاجة إلى بعضهما البعض في الوضع الجديد، ولا يمكن لعلاقاتهما إلا أن تتوثق". يعتمد اقتصاد الحكومة الكردية الإقليمية على المنتجات والاستثمارات التركية بشكل شبه كامل، وتمثل تركيا المنفذ الوحيد للمنطقة الكردية إلى البحر المتوسط وأوروبا، ولاسيما من أجل تصدير نفطها عبر خط الأنابيب الذي يصب في ميناء سيحان التركي. يمثل هذا النفط فرصة ثمينة بالنسبة لتركيا التي تعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الروسي والإيراني.
     ترسل أنقرة حاليا البنزين إلى الأكراد العراقيين بعد الهجوم الجهادي الأخير. ولكن تعزيز العلاقات مع مسعود البارزاني لا يمكن أن يتحقق بدون أن تتوصل الحكومة التركية إلى اتفاق مع الأكراد السوريين على الرغم من الهالة التي يتمتع بها مسعود البارزاني لدى الأكراد. أقام الأكراد السوريون حكما ذاتياً خاصاً بهم في "غرب كردستان" Rojava، ولكن حزب الاتحاد الديموقراطي الذي يهيمن عسكرياً وسياسياً على هذه المنطقة مُقرّب من المتمردين الأكراد في تركيا. من هنا تأتي ضرورة حلحلة المفاوضات مع عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني وممثلي حزب السلام والديموقراطية الذين يمثلون الواجهة السياسية للأكراد في البرلمان التركي.
     في الحقيقة، تتهم تركيا حزب العمال الكردستاني بأنه لم يسحب جميع مقاتليه من تركيا باتجاه قواعده الخلفية في شمال العراق، ويُدين الأتراك التنازلات المحدودة جداً في مجال حق تعليم اللغة الكردية أو الإصلاحات الخجولة للقانون الجنائي في الوقت الذي ما زال فيه آلاف القادة والنواب الأكراد في السجون. تتصف المفاوضات بين الجانبين بأنها غامضة وبدون مضمون فعلي في مجال الحكم الذاتي المحلي، وليست هناك خارطة طريق. ينتظر الأكراد مبادرات قوية من قبل أنقرة مثل الإفراج عن عبد الله أوجلان أو وضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله.
     قال أحمد تورك Ahmad Turk النائب الكردي السابق في البرلمان التركي وأحد الرموز التاريخيين للأكراد في تركيا: "لم تعد الدولة ـ القومية تتلاءم مع الحقائق الإقليمية الجديدة. يجب التفكير بما يمكن أن تكون عليه الأمة الديموقراطية التي يجد الجميع مكانهم فيها". يعرف الأكراد أن موازين القوى في المنطقة أصبحت لصالحهم أكثر فأكثر، وقال مسعود البارزاني ذلك بشكل واضح في مقابلة مع BBC : "لن يعود العراق أبداً إلى ما كان عليه الوضع قبل سقوط الموصل".