الصفحات

الاثنين، 17 آذار، 2014

(هناك تجويع للناس، وهذا أمر غير مألوف)

صحيفة الليبراسيون 15 آذار 2014 ـ مقابلة مع الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود والأستاذ في معهد العلوم السياسية روني برومان Rony Brauman ـ أجرى المقابلة لوك ماتيو Luc Mathieu

سؤال: قصف شامل واستخدام الأسلحة الكيميائية وتعذيب واغتصاب وسكان محاصرون وجائعون... هل وصل النزاع السوري إلى مستوى من الوحشية غير مسبوق بالمقارنة مع السنوات الثلاثين الماضية؟
روني برومان: أنا أشعر بالرعب أيضاً تجاه انتحار الأمة السورية وتجاه التصلب المرعب للنظام من جهة وتزايد الراديكالية من جهة أخرى. إن فشل المجتمع الدولي يمكن أن يعطي الانطباع بأن هذا النزاع غير مسبوق. ولكن هذا غير صحيح. منذ فترة غير بعيدة، أدت الحرب في دارفور وفي جنوب السودان إلى استقلال جنوب السودان، وكانت هذه الحرب في منتهى الوحشية. كان هناك قصف شامل ونزوح إجباري للسكان ومجاعات، ولكن ذلك ترافق مع تقديم مساعدة إنسانية هامة. أدى ذلك إلى أن أقلية من الأطراف المعنية أرادت تقسيم البلد. ربما نحن الآن أمام عملية مشابهة لتقسيم سورية. يبدو أن تصاعد قوة الراديكاليين وتزايد حدة العنف سيؤدي إلى التقسيم بين مختلف المناطق السنية والعلوية والكردية.
سؤال: لماذا لا تصل المساعدة الإنسانية إلى سورية؟
روني برومان: هناك عقبات سياسية ومادية حقيقية تواجه العمل. لم تفتح دمشق أراضيها إلا أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكالات الأمم المتحدة وبعض المنظمات غير الحكومية. بالنسبة للمتمردين، لم يعد هناك أي تنظيم فعلي، لأنهم غير قادرين على توفير الأمن، ولأن المنظمات غير الحكومية لا تستطيع تعريض نفسها إلى هذا المستوى من الخطر. ولكن الأزمة هائلة، وأصابت الملايين. هناك تجويع للناس، وهذا أمر غير مألوف، ومن بينهم بعض اللاجئين الفلسطينيين على الرغم من أن النظام يدعي دوماً أنه حليفهم الأساسي. يعطي ذلك فكرة عن جنونه.
سؤال: ألم ترتكب الأمم المتحدة خطأ استراتيجياً بانتظارها احتمال موافقة دمشق على الدخول إلى المناطق المتمردة؟
روني برومان: إن هذا السؤال مطروح أيضاً على اللجنة الدولية للصليب الأحمر. بدأت منظمة أطباء بلا حدود تحدياً علنياً بهذا الخصوص، مؤكدة على الطابع الأحادي الجانب لعملها بدون اقتراح أية مشاركة مع دمشق، وذلك في الوقت الذي تفرض فيه المعايير الإنسانية المساواة والنزاهة أثناء توزيع المساعدة. كان بإمكان اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تحاول الدخول عبر تركيا أو لبنان، وهذا ما فعلته منظمة أطباء بلا حدود. إنه أمر معقد، ولكنه غير مستحيل. راهنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن هذه المساعدة ستنجح في النهاية عبر دمشق. لم يكن ذلك مستحيلاً، ولكن الوقت أصبح متأخراً جداً، وتم تقسيم البلد.
سؤال: كيف تفسرون عجز المجتمع الدولي؟
روني برومان: إذا نظرنا غلى عمل الأمم المتحدة منذ تأسيسها، ندرك أنه بمجرد اندلاع النزاع، تصبح فرص حلّه وتغيير مجرى التاريخ عبر تدخل قوات خارجية ضعيفة جداً. إن دور الأمم المتحدة هو دفع الأطراف إلى الحوار قبل اندلاع الحرب، ولا ينجح ذلك إطلاقاً بعد اندلاعها.
سؤال: ولكنكم كنتم تؤيدون توجيه ضربات عسكرية ضد النظام في شهر آب بعد قصف ضواحي دمشق بالأسلحة الكيميائية...
روني برومان: ليس بالضبط، كنت أؤيد التهديد برد مسلح. لم يكن يجب السماح بمرور استخدام هذه الأسلحة المُرعبة بدون ردة فعل. السبب الآخر هو سياسي، لأن استخدام الأسلحة الكيميائية زعزع الدائرة الأولى التي تدعم النظام. تحركت إيران لأنها عانت من القصف الكيميائي خلال الحرب مع العراق. كما تحركت روسيا على الرغم من أنها كانت أكثر حذراً. سمح ذلك بفتح ثغرة سياسية وأضعف دمشق. ولكن النظام السوري نجح في تغيير الوضع لمصلحته في النهاية لكي يظهر بمثابة التلميذ النجيب الذي يتخلص من ترسانته. واستمر العنف.
سؤال: هل التدخل ممكن اليوم؟
روني برومان: التدخل من أجل ماذا؟ ومن يطلبه فعلاً؟ لقد اندثر دور الشرطي من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. لم تعد هذه الدول تملك الوسائل لضمان نتائج تدخلها. رأينا ذلك في العراق وأفغانستان.
سؤال: إذاً، ليس هناك حل؟
روني برومان: أنا لا أراه. يعمل الطرفان ضمن منطق الانتصار العسكري على الآخر. نحن لسنا فيما يُطلق عليه الانغلوساكسون "المأزق المؤلم" الذي لا يستفيد منه أي طرف، ويدفع الجميع نحو التسوية. ولكن عدم القيام بأي شيء، سيكون أسوأ الأمور. من الممكن وضع قواعد للمفاوضات، وممارسة الضغوط لإعادة التوازن إلى موازين القوى، وزيادة المساعدة المدنية العاجلة.
سؤال: ومساعدة التمرد؟

روني برومان: بالتأكيد، يجب أن يتحدث الديموقراطيون مع الديموقراطين، أو مع أولئك الأكثر قرباً من الديموقراطية. ولكن لا يجب الانعزال داخل موقف أخلاقي. هناك مواقف وأهداف مختلفة لدى الإسلاميين الموجودين داخل التمرد. لا يجب التخلي عن دعم بعضهم مالياً، ولكن لا أعرف كيف. بالسلاح؟ بالمال؟ بالاستخبارات؟ بالثلاثة معاً؟ من أجل اتخاذ القرار، لا بد من معلومات دقيقة جداً حول جميع الأطراف والأوضاع المحلية. ولكن هناك إمكانيات للحوار وبناء تحالفات تكتيكية.