الصفحات

الاثنين، 10 آذار، 2014

(احتدام معركة القلمون في سورية)

صحيفة اللوموند 9 ـ 10 آذار 2014 بقلم مراسلتها الخاصة في مدينة عرسال اللبنانية لور ستيفان Laure Stephan

     كُسِرت ساق المتمرد أحمد (30 عاماً) بسبب شظايا القذائف أثناء القصف الجوي، وذلك عندما كان هذا المقاتل في الجيش السوري الحر يشارك في المعركة الضارية ضد القوات الموالية لبشار الأسد في جبال القلمون. هذا هو السبب الذي أجبر زوجته أماني على الذهاب إلى مخيم اللاجئين الذي تكرهه في مدينة عرسال اللبنانية، وتشعر بأنها في حظيرة. قال أحمد محذراً: "لا يجب أن نخسر القلمون!"، وذلك في الوقت الذي استؤنفت فيه الحرب من جديد في هذه المنطقة الواقعة بين دمشق وسهل البقاع في منتصف شهر شباط. أشار أحمد الذي تم إخلاؤه بعد بداية الهجوم الجديد إلى أن المعارك مخيفة وأن الخسائر كبيرة لدى الطرفين.
     بدأت معركة القلمون في شهر تشرين الثاني، وسمحت للنظام باستعادة العديد من المدن في شمال هذه المرتفعات الاستراتيجية بالقرب من الطريق الواصل بين حمص ودمشق. استولى المتمردون، ومنهم جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، على مدينة معلولا المسيحية المشهورة في بداية شهر كانون الأول. منذ ذلك الوقت، لم تتوقف المعارك فعلياً في هذه المنطقة التي يسكنها مؤيدو ومعارضو الأسد على الرغم تباطؤ الهجوم. نشر النظام السوري مدرعاته وطائراته المقاتلة، وينوي استعادة يبرود بمساعدة قوية من حزب الله. إنها أهم مدينة في القلمون، وتقع في وسط الجبال القاحلة التي ترتفع أكثر من ألف متر عن سطح البحر، ويسكنها السنة والمسيحيون. بقيت هذه الجبال بمنأى عن الحرب خلال فترة طويلة، وشهدت جميع أنواع التهريب من المازوت إلى عمليات الخطف. تعزز موقع التيارات الإسلامية في هذه المنطقة مع استمرار النزاع في سورية.
     إذا كان العديد من المحللين يعتبرون أن نتيجة هذه المعركة لن تمثل منعطفاً عسكرياً، فإن الأطراف المتحاربة يعتبرون أن الهجوم الحالي حاسم. بالنسبة للمتمردين المنتشرين في هذه المنطقة، تُمثل جبال القلمون منطقة أكثر أهمية من معقل القصير الذي خسروه في شهر حزيران 2013. لقد شن المتمردون عدة هجمات ضد ضواحي دمشق انطلاقاً من هذه الجبال. تُشكل هذه القاعدة الخلفية أيضاً آخر خطوط الامدادات الواصلة من لبنان، وتتدفق الأسلحة والأدوية والطعام من خلالها عبر طرق التهريب من مدينة عرسال الحدودية المتعاطفة مع التمرد السوري. لقد استخدم أحمد وأماني هذه الطرق نفسها للوصول إلى لبنان بعد أن جُرِح هذا المتمرد بالقرب من يبرود. يقصف الجيش السوري هذه الطرق باستمرار، لدرجة أن أحد المصادر المطلعة اعتبر أنه أصبح من شبه المستحيل إخلاء الجرحى باتجاه لبنان اعتباراً من بداية شهر آذار.
     ينوي نظام بشار الأسد تركيز قواته على الجبهات الأخرى مثل دمشق وحلب بعد تأمين الطريق الواصل بين حمص ودمشق، والقضاء على هذه البؤرة للمقاومة في شمال العاصمة. فيما يتعلق بحزب الله، إنه يؤكد إرادته بالقضاء على جميع الذين يرسلون السيارات المفخخة التي تم استخدامها في سلسلة التفجيرات ضد المناطق الشيعية اللبنانية، ويؤكد حزب حسن نصر الله أن هذه السيارات تأتي من القلمون. لقد تبنت بعض المجموعات الجهادية العديد من هذه الهجمات لكي تنتقم من المعركة التي يخوضها رجال الميليشيا الشيعية لحزب الله في سورية.
     أدى احتدام المعارك إلى رحيل أعداد كبيرة من المدنيين. أشارت وكالة الأمم المتحدة للاجئين إلى أن حوالي ثلاثة عشر ألف سوري هربوا من يبرود وضواحيها باتجاه عرسال منذ استئناف الهجوم. قال أحمد: "عندما دعا جيش الأسد المدنيين للمغادرة، أدركنا أن هجوماً كبيراً سيبدأ. هاجر أغلب السكان من يبرود إلى دمشق أو لبنان. لا يجب تكرار كارثة القصير عندما تعرضت للحصار والقصف من كل الجهات". يتحدر أحمد من مدينة القصير، كما هو الحال بالنسبة لآلاف المقاتلين في مدينة حمص الذين انسحبوا إلى القلمون بعد سقوط القصير، الأمر الذي عزز صفوف الوحدات التي كانت موجودة في القلمون سابقاً. لقد تركت هذه الهزيمة طعما مرّاً لدى المتمردين المُقتنعين بأن النظام لم يكن باستطاعته استعادة المدينة لولا تدخل حزب الله. أعطى سقوط القصير،  تحت الأنقاض، تقدماً عسكرياً لقوات بشار الأسد حتى ولو كان تقدماً نسبياً حتى الآن.
     أزال أحمد الغطاء الموجود على عينه اليمنى الميتة، وقال ساخراً: "حصل هذا في القصير". ثم رفع جزءاً من قميصه ليُظهر بطنه الذي أصبح مليئاً بآثار الجروح. ولكنه لا يتأسف على حياته السابقة قبل التمرد "عندما كان الشعب السني فقيراً ومهاناً". اعتاد أحمد على القيادة على الأرض، ولم ينفصل عن عائلته إطلاقاً في مناطق الحرب، وقال: "إذا كان يجب أن نموت، يجب أن نموت معاً". ضحكت زوجته، ولكنها قالت مستسلمة: "أنا أدعم أحمد. يجب على جميع السوريين أن يقاتلوا، ولكنني تعبت من حياتنا". كانت حركتها تترافق مع أصوات سلاسلها الذهبية، وتُظهر خصلات شعرها الداكنة غير مبالية بالنظرات القاسية للرجال الملتحين الذين يراقبون المارة في هذا المخيم الذي تُموله سلطنة عُمان.
     يعتقد أحمد الذي كان مزارعاً أن المعارك في القلمون ستستمر فترة طويلة، على الرغم مما تقوله وسائل الإعلام المؤيدة للنظام بأن الاستيلاء على يبرود أصبح وشيكاً، وقال: "يُشرف الجيش السوري الحر وجبهة النصرة على آلاف المقاتلين لمواجهة الانتشار الواسع لجيش الأسد وحزب الله. ما زالت مشكلتنا نفسها منذ بداية هذه الحرب: أي نقص السلاح". اعتبر أحمد أن طبيعة الأرض أكثر ملاءمة للمتمردين في القلمون مما كان عليه الوضع في القصير، وقال: "إن يبرود أكبر مساحة، وأكثر صعوبة في محاصرتها. إن الجبال تجعل الحصار معقداً". على الرغم من ذلك، يبدو أنه هذا هو التكتيك الذي تتبعه القوات السورية وحزب الله الذين يؤكدون  قيامهم بتمشيط آخر القرى قبل الوصول إلى يبرود.
     تشعر أماني بالشوق إلى هذه المدينة المتعددة الطوائف، وقالت: "كنا نعيش جيداً حتى بدء الهجوم، أو على الأقل، كنا أفضل حالاً من هذا المخيم. كان هناك قصف متقطع، ولكننا اعتدنا عليه منذ جحيم القصير". كانت تشعر بالأمان مع طفليها في هذا الجو الذي يعطي انطباعاً خادعاً بأن الأمور طبيعية. كانت جارتها أم كمال أقل اطمئناناً، وتُخفي ابنها الجريح داخل المنزل خوفاً من التبليغ عن ابنها المراهق من قبل السكان الموالين في المدينة. تلاشت هذه الحياة اليومية الهشة، وتتعرض يبرود للقصف، وأصبحت اليوم محرومة من الماء والكهرباء. استخدم النظام براميل المتفجرات ضد القلمون أيضاً كما فعل في حلب.

     أعطى أحمد لنفسه مهلة شهر لاستعادة ثقته بنفسه، وحمل السلاح من جديد في هذه الحرب التي يرى أنها ستستمر طويلاً، وقال: "قُتِل ثلاثة من أشقائي منذ بداية هذا النزاع عام 2011. لن أعرف السلام في سورية، ربما يعرفه ابني الكبير الذي يبلغ عمره سبع سنوات...". في المنزل المجاور، يستعد الشاب خالد الذي يقاتل في صفوف جبهة النصرة للذهاب إلى القلمون على الرغم من قصف الحدود، وذلك بعد أن وضع عائلته في آمان داخل البقاع كما يفعل بقية المتمردين. ولكن هذه المنطقة ليست واحة للسلام، ويتوالى قصف الجيش السوري للمناطق المحيطة بعرسال، بالإضافة إلى قذائف الهاون التي يُطلقها المتمردون ضد القرى المؤيدة لحزب الله منذ نهاية شهر شباط.