الصفحات

الاثنين، 17 آذار، 2014

(دمشق ـ كييف: الحرب الباردة الجديدة)

افتتاحية صحيفة اللوموند 15 آذار 2014

     هل سيدفع السوريون الثمن من أجل الأوكرانيين؟ وهل سيخضع ملايين السوريين من ضحايا النزاع الوحشي لانعكاسات القضية الأوكرانية؟ الجواب للأسف هو: نعم! إن طرح هذا السؤال بهذه البساطة، يمكن أن يبدو صعب الفهم. في الحقيقة، إن العداء المتزايد بين موسكو وواشنطن حول الأحداث في كييف ستكون تداعياته في مكان آخر. اجتمع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في لندن يوم الجمعة 14 آذار قبل يومين من الاستفتاء حول ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. يعرف الرجلان أن نتيجة الاستفتاء محسومة، وسترد واشنطن عبر بعض العقوبات (التي تم الإعلان عنها سلفاً) ضد روسيا، وسترد موسكو ببعض الإجراءات الانتقامية (التي تم الإعلان عنها أيضاً).
     ستزداد حرارة العداء الروسي ـ الأمريكي إلا في حال حصول معجزة سياسية ـ دبلوماسية. هناك خطر كبير بأن يتحمل النزاع السوري نتائج هذه المواجهة الروسية ـ الأمريكية، وربما هذا هو الحال فعلاً. اتهم جون كيري الروس بتاريخ 18 شباط أنهم "ضاعفوا رهاناتهم" في سورية، وذلك في الوقت الذي كانت فيه أوكرانيا تشتعل. اعتبر وزير الخارجية الأمريكي أن موسكو كانت تعمل على إفشال أية إمكانية لحل تفاوضي عبر "إرسالها للمزيد من الأسلحة" إلى نظام بشار الأسد.
     هل بمحض الصدفة أصبح برنامج نزع الأسلحة الكيميائية في سورية بحالة جمود منذ ثلاثة أشهر، وذلك بعد أن توصل الأمريكيون والروس إلى اتفاق حوله؟ تجري الأمور كما كان عليه الحال في عصر الحرب الباردة. يعتمد حل النزاعات المتعلقة بموسكو وواشنطن بشكل كبير جداً على العلاقة بين الكريملين والبيت الأبيض. إن العلاقة بين باراك أوباما وفلاديمير بوتين متجمدة. إن الولايات المتحدة وروسيا في معسكرين متعارضين حول الجبهتين السورية والأوكرانية. ولكن أغلب المراقبين لا يتصورون أن المأساة السورية يمكن أن تنتهي بدون تفاهم روسي ـ أمريكي. في الوقت الحالي، ولكن الروس يعارضون هذا التفاهم.
     ترك الأمريكيون والروس ممثلي دمشق يعرقلون أي حوار مع ممثلي التمرد في مؤتمر السلام في جنيف خلال شهر شباط. ويمنع الكريملين أية إدانة في الأمم المتحدة، حتى لو كانت رمزية، للمجازر التي يرتكبها النظام. من الممكن المراهنة بقوة على أن الخلاف حول أوكرانيا سيزيد من حدة النزعة الروسية لعرقلة الوضع في سورية. يشعر بشار الأسد بالحماية في هذا الوضع، ويحرز بعض النقاط. إنه ينوي تنظيم انتخابات مهزلة في شهر حزيران، ويريد أن يكون رئيساً لولاية رئاسية أخرى. لقد أعطى الشكل الذي يريده إلى هذه الحرب: أي مواجهة بين آخر معقل للعلمانية في المنطقة وبين تمرد تُهيمن عليه الجهادية السنية، حتى لو كان الوضع على الأرض أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

     لكن المشهد العام لا يُخف الحقيقة في سورية. إنها حقيقة نظام ورجل تابعان كلياً لعرابيه الأجانب: الإشراف العسكري الإيراني وحوالي ستة آلاف مقاتل من حزب الله اللبناني بالإضافة إلى الروس، وهم الذين يحددون هامش المناورة لبشار الأسد. بهذا المعنى، إن السوريين لسوء حظهم هم أيضاً رهائن الوضع في كييف وسيباستوبول.