الصفحات

الخميس، 20 آذار، 2014

(ما هي نتائج ضم شبه جزيرة القرم على الصعيد الدولي؟)

صحيفة الفيغارو 19 آذار 2014 بقلم إيزابيل لاسير Isabelle Lasserre

     إن ضم شبه جزيرة القرم يُشوش بشكل عميق على النظام القائم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991. قال مدير مؤسسة كارنيجي في موسكو ديمتري ترينان Dmitri Trenin: "أهلاً وسهلاً في الحرب الباردة الثانية". من الممكن أن يُؤدي هذا الحدث الهام إلى تغيير المعطيات داخل القارة الأوروبية وفي العلاقات الدولية لفترة طويلة. أدى ابتلاع شبه جزيرة القرم بشكل كامل إلى عودة الولايات المتحدة إلى أوروبا بعد أن تخلت عن القارة العجوز لصالح آسيا، ورحّب الكثيرون بهذه العودة الأمريكية. من الممكن أن يؤدي جفاء العلاقات بين الشرق والغرب إلى تعقيد إدارة الملفات الدبلوماسية الهامة في الوقت الحالي، سواء فيما يتعلق بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان أو الحرب في سورية وما نجم عنها حول تفكيك الأسلحة الكيميائية. ولكن الضربة القوية التي وجهها زعيم الكريملين تمثل ضربة قاسية لنظام الأمن العالمي في أوروبا والعالم بشكل يهدد النظام النووي العالمي الذي انبثق بعد نهاية الحرب الباردة.
     وقعت الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا، ثم انضمت إليهم فرنسا والصين، على مذكرة بودابست بتاريخ 5 كانون الأول 1994.  تعهدت الدول الخمس العظمى في مجلس الأمن بإعطاء أوكرانيا الضمانات حول احترام استقلالها وسيادتها وسلامة حدودها مقابل التخلي عن كونها قوة نووية. كانت أوكرانيا تملك ثالث ترسانة نووية في العالم في ذلك الوقت، هذه الترسانة التي ورثتها من الاتحاد السوفييتي، وقد تعهدت القوى العظمى بتحمل مسؤولية خاصة في الحفاظ على نظام ما بعد الاتحاد السوفييتي من أجل إقناع أوكرانيا بالتخلي عن هذه الترسانة. لعبت مذكرة بودابست دوراً أساسياً في الخروج من الحرب الباردة. أكد فلاديمير بوتين في نهاية سنوات عام 2000 على الضمانات المتعلقة بسلامة أراضي أوكرانيا، وذلك أثناء التوقيع على معاهدة ستارت الجديدة (New Start) لنزع الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة.
     إذاً، إن انتهاك روسيا للضمانات المعطاة إلى أوكرانيا يخلق سابقة سيئة جداً. إن الضعف النسبي لردة الفعل الغربية تجاه ضم جزء من أوكرانيا يُشكك بكل المبررات الداعمة لعدم انتشار الأسلحة النووية. لا شك بأن المسؤولين الإيرانيين الذين وقعوا على اتفاق مؤقت مع المجتمع الدولي في شهر تشرين الثاني حول البرنامج النووي السري بعد نزاع استمر عشر سنوات، سيقرؤون بعناية ردة الفعل الأمريكية والأوروبية. تخلت ثلاث دول عن السلاح النووي خلال عشرة سنوات تحت الضغط الدولي هي العراق وليبيا وأوكرانيا، ثم شهدت هذه الدول انهيار سيادتها الوطنية بشكل أو بأخر: تعرض العراق لاجتياح القوات الأمريكية والبريطانية التي طردت صدام حسين من السلطة، تعرضت ليبيا لقصف الطيران الفرنسي والبريطاني بدعم من واشنطن، وتم طرد العقيد القذافي من قصره. تم اقتطاع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا بدون إطلاق رصاصة واحدة.
     ما هي الدروس التي ستستخلصها إيران؟ استؤنفت المفاوضات الهادفة إلى تحويل الاتفاق المؤقت إلى حل دائم في فيينا يوم الثلاثاء 18 آذار، ستكون هذه المفاوضات امتحاناً للموقف الإيراني والروسي. نجحت الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في الحفاظ على موقف موحد تقريباً تجاه إيران حتى الآن، ولكن ربما تصبح موسكو أقل ميلاً لتقديم التضحيات باسم الموقف الموحد، ولاسيما في حال تشدد الموقف الإيراني.
     سيتم تحليل الدروس الأوكرانية في أماكن أخرى في العالم لدى الدول الآسيوية المستفيدة من المظلة النووية الأمريكية مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وكذلك الأمر في الشرق الأوسط حيث تهدد القوى السنية فيه مثل السعودية ومصر وتركيا بالبدء بسباق نووي من أجل مواجهة إيران الشيعية النووية. إن الأحداث الأوكرانية تُشكك بقيمة الضمانات الخارجية، وتهدد بتعزيز إرادة بعض الدول في الحصول على السلاح النووي.

     يمثل الموقف الروسي في أوكرانيا خطراً على اتفاق عدم انتشار الأسلحة النووية، كما يهدد المراحل الجديدة المحتملة لنزع السلاح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا. كان باراك أوباما يحلم بـ "عالم بدون أسلحة نووية"، ولكن هذا الحلم يبدو أنه تلاشى تماماً.