الصفحات

الثلاثاء، 4 آذار، 2014

(ما هي قيمة الدبلوماسية الفرنسية؟)

مجلة الفيغارو ماغازين 28 شباط  2014 ـ حوار بين الكاتب رونو جيرار Renaud Girard والسفير الفرنسي سابقاً جان كريستوف روفان Jean-Christophe Rufin

سؤال: ماذا يمكن أن يكون دور فرنسا فيما يبدو أنه صدمة جديدة بين الغرب والشرق في أوكرانيا؟
رونو جيرار: ، اتصلت أنجيلا ميركل مع بوتين ثلاث مرات في ذروة الأزمة الأوكرانية، واتصل كل من أوباما وكاميرون مرة واحدة مع بوتين، أما هولاند فلم يتصل معه إطلاقاً. ظهرت فرنسا كقزم سياسي بالمقارنة مع ألمانيا. تنقصنا سياسة خارجية كبيرة تجاه روسيا بسبب التركيز على بناء سياستنا على العواطف وليس على العقل. كان يجب على هولاند أن يذهب إلى سوتشي التي يعتبرها بوتين رمزاً للنهضة الروسية. كان يجب على رئيسنا أن يهنئه علناً بتنظيم الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي، ثم يقوم بتذكيره أن أوكرانيا دولة ذات سيادة، وأن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سيكون في مصلحة المنطقة الاقتصادية الروسية أيضاً، وأن تطلعات الشعب الأوكراني للعيش في دولة القانون كانت مشروعة وغير قابلة للتفاوض.
جان كريستوف روفان: أصبحت أوروبا مرة أخرى ساحة للحرب الباردة. يُظهر ذلك عجزها عن بناء نفسها كقوة سياسية تتمتع بسيادة حقيقية. في هذا المجال، لا تملك فرنسا إلا هامشاً ضئيلاً للمناورة. انحازت فرنسا جداً إلى الموقف الأمريكي، وتعتقد أنه من الأفضل معاملة روسيا باحتقار. إن علاقة فرنسا مع الرئيس بوتين سيئة جداً. أدى ذلك إلى نتائج سلبية جداً سواء فيما يتعلق بحقوق الإنسان (إن ألمانيا أكثر تساهلاً مع موسكو، وهي في موقع يسمح لها بالحصول على أشياء أكثر حتى في مجال حقوق الإنسان) أو باحتمال الوساطة في الأزمة الأوكرانية التي يعرف الجميع بأن حلها في الكريملين.
سؤال: لننتقل إلى الولايات المتحدة، شكلت زيارة فرانسوا هولاند إلى الولايات المتحدة لحظة هامة في دبلوماسيتنا: ما هو الاختلاف بين "زيارة الدولة" التي قام بها فرانسوا هولاند وزيارات العمل التي قام بها نيكولا ساركوزي؟
رونو جيرار: إنه اختلاف شكلي بحت: أراد أوباما تكريم هولاند الذي لم يحظ حتى الآن بإطلاق 21 قذيفة مدفعية. فيما يتعلق بالأمور الجوهرية، جرى هذا اللقاء للأسف في سياق غير متوازن بسبب ضعف فرنسا اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً. كيف يمكن لفرنسا اسماع صوتها في المجال الاقتصادي (على سبيل المثال، الحاجة إلى إصلاح الممارسات المصرفية في العالم) دون قيامها بتنظيم شؤونها الاقتصادية والمالية؟ على الصعيد العسكري، قمنا بتخفيضات كبيرة في الموازنة العسكرية لدرجة أننا اضطررنا إلى طلب المساعدة الأمريكية لاحتواء الفوضى الإسلامية في ليبيا، وذلك على الرغم من أن فرنسا قادت التدخل العسكري الذي أطاح بالقذافي. نحن ندعي بأننا نريد التدخل في كل مكان (كما هو الحال عندما أعلن هولاند في نهاية شهر آب 2013 عن "عقاب" عسكري ضد نظام بشار الأسد في سورية)، وذلك على الرغم من أننا لم نعد نملك الوسائل اللازمة. إن الأمريكيين في وضع معاكس: ما زالوا يملكون أقوى جيش في العالم، ولكنهم أصبحوا حذرين جداً على الصعيد السياسي بخصوص شن حروب جديدة سواء كانت "عقابية" أو "وقائية". عندما تفاوض الأمريكيون مع الروس في جنيف حول إيجاد مخرج للأزمة السورية عبر نزع السلاح الكيميائي السوري، لم تتم دعوة فرنسا للمشاركة في هذه المفاوضات. لقد عاملها حليفها الأكبر باعتبارها قوة عظمى من الدرجة الثانية. على الصعيد العسكري، ظهرنا كقوة إضافية للأمريكيين في حال الحاجة. على الصعيد الدبلوماسي، أصبحت العلاقة بين باريس وواشنطن عرجاء لأننا تخلينا عن دورنا التقليدي كوسيط بين الامبراطورية الأمريكية وبقية العالم. على صعيد الملف الإيراني، أظهرنا أننا أكثر تأثراً بأفكار المحافظين الجدد من الأمريكيين أنفسهم! أشعر بالأسف لأن سلطنة عُمان، وليست الجمهورية الفرنسية، هي التي نظمت المفاوضات السرية بين الأمريكيين والإيرانيين.
جان كريستوف روفان: إذا كانت زيارة هولاند إلى الولايات المتحدة قد تركت ذكرى طيبة، فإن وابل المجاملات ذكّرني بإحدى مسرحيات موليير عندما قام دون جوان بإغراق أحد دائنيه بالمجاملات، ثم تخلص منه دون أن يدفع له فلساً واحداً. ظهرت ملامح المعاهدة الأطلسية حول حرية وصول السلع الأمريكية إلى أوروبا على خلفية هذا اللقاء، وذلك في الوقت الذي لا تمتنع فيه الولايات المتحدة عن ممارسة السياسات الاقتصادية الحمائية. إذاً، سيكون من الملائم أن نكون حذرين خلال المفاوضات على الصعيدين التجاري والمالي. هناك سبب آخر يكمن وراء هذا الاستقبال الحافل هو حرج الأمريكيين بسبب فضيحة التنصت التي كان بإمكانها أن تُبرر احتجاجاً أكثر شدة من قبلنا. إذاً، أنا أرى في هذا الاستقبال الحافل نوعاً من التملق وليس احتراماً لقوتنا ونفوذنا.
رونو جيرار: فيما يتعلق بسياسة هولاند تجاه سورية، لقد أظهر جهلاً تاريخياً ونظرة سياسية ثنائية تقسم العالم بين الخير والشر، كما أظهر هذه السذاجة الدبلوماسية التي تنظر إلى رغباتها باعتبارها حقائق. الجهل هو أنه لم يأخذ بعين الاعتبار بما فيه الكفاية حركة الإخوان المسلمين التي حاولت الاستيلاء على السلطة بالقوة في بداية الثمانينيات. لا يمكن اختزال الحرب الأهلية بمواجهة بين العلويين والأغلبية السنية: لو وقف جميع السنة إلى جانب الثورة، ما كان بإمكان بشار الأسد الصمود. فيما يتعلق بنا، بدلا من الاستفادة من علاقاتنا الجيدة مع الأسد خلال الولاية الرئاسية السابقة، لقد وقعنا في النظرة السياسية الثنائية وبدون أي نظرة هادئة، أي كما هو الحال بالنسبة لصحفيي التلفزيون الذين يعالجون المواضيع الأكثر تعقيداً خلال دقيقة ونصف، ويُلخصونها باعتبارها مواجهة يقوم فيها الأشرار بقتل المدنيين الأخيار. تميل الصحافة المكتوبة أيضاً إلى وضع نفسها ضمن هذا الإطار "الهوليوودي" للإعلام المرئي. بالإضافة إلى ذلك، دعا حكامنا إلى "معاقبة" بشار الأسد، ووصف دافيد كاميرون النزاع السوري بعبارات "الأخيار والأشرار"، على الرغم من أن التاريخ لا يُصنع بهذا الشكل، ولا يجب معالجة المواضيع الجغراسياسية بهذه الطريقة. أخيراً، هناك أمنياتنا الدبلوماسية المشؤومة. قمنا بإغلاق سفارتنا لكي نستبق الأحداث: باعتبار أن الطاغية سيختفي خلال عدة أشهر، ثم سنقوم بإعادة افتتاحها في دمشق للتعامل مع الديموقراطيين الحقيقيين. ولكن الطاغية ما زال موجوداً:  لقد قام بتنفيذ لعبة استراتيجية تقليدية عبر السماح للعدو أن يكشف عن نفسه، أي الوهابيين الذين يتلقون المساعدة من الممالك النفطية السنية في الخليج. ثم في المرحلة الثانية، وجد حلفاء أقوياء أي: إيران وروسيا وحزب الله. ثم انتقل أخيراً بهدوء إلى الهجوم المضاد وجميع الأشياء التي لم نكن نتوقعها. عندما أدركنا أن الأسد باق في مكانه، فكرنا بحل سياسي مع هذا الشرط المسبق المتمثل باستبعاده من الحل السياسي. ما هذا الوهم: إنه هو الذي يجسد السلطة شئنا أم أبينا! ولا شك أنه كان من الأفضل التفكير منذ البداية بحكومة انتقالية تحت رئاسته، وأن يكون هدفها النهائي عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2014. إن الوهم والسذاجة لا يُغتفران في الدبلوماسية...
جان كريستوف روفان: تمثل الأزمة السورية نهاية عصر الدبلوماسية الإنسانية. جرت أغلبية العمليات العسكرية الدولية باسم الإنسانية منذ نهاية الحرب الباردة. أردنا استبدال العلاقات بين الدول برؤية أصبح فيها المضطهدون  يمثلون بداية ونهاية السياسة الدولية. إن تعريض السكان للخطر يمكن أن يؤدي إلى تبرير عملية  تغيير الأنظمة بالقوة. هكذا بدأت الحرب ضد ليبيا مع النتائج التي نعرفها. فيما يتعلق بالأزمة السورية، وصلنا إلى الحدود التي تتوقف عنها هذه الطريقة بالتفكير التي لا تنظر إلى التاريخ، وتكتفي بتحديد الأخيار والأشرار. قمنا بتبسيط الأزمات دون السعي إلى فهمها من أجل تبرير العمل. ولكن عندما لا يكون هذا العمل مبنياً على حقائق تاريخية، فإن مصيره سيكون الفشل. بالإضافة إلى ذلك، عندما نترك الشعوب تأمل بالحصول على مساعدة عسكرية خارجية، فإننا نشجعها على الراديكالية. إذا لم تكن هناك نية حقيقية بالتحرك، فإن هذا التشجيع يمثل عملاً إجرامياً. بهذه الطريقة، تحملنا مسؤولية مأساوية في سورية فيما يتعلق بمئات آلاف القتلى منذ سنتين. قمنا بدفع المفاوضات السياسية إلى الوراء عبر دفع المعارضة نحو طريق التمرد. عندما لا تكون الدبلوماسية الإنسانية مدعومة بموازين قوى حقيقية، فإنها ليست إلا تضليلاً.
رونو جيرار: نستخلص أربعة دروس من أجل محاولاتنا القادمة لشن الحرب باسم العامل الأخلاقي: عدم إطلاق الوعود علناً بالعقاب أو بالحرب عندما لا تتوفر الوسائل اللازمة للقيام بذلك، وترك القنوات الدبلوماسية مفتوحة دوماً لأن الدبلوماسية هي من أجل الحديث مع الأعداء وليس مع الأصدقاء، وامتلاك حل بديل من أجل استبدال فوري للطاغية الذي نريد طرده لضمان عدم غرق البلد في الفوضى كما حصل في ليبيا، ومعرفة كيف نأخذ بعين الاعتبار مصالحنا البعيدة المدى والدفاع عن أصدقائنا ابتداءا من مسيحيي الشرق. كان فابيوس يريد تسليح المتمردين: ما هي الضمانات التي كانت بحوزتنا بأن هذه الأسلحة لن تُستخدم ضدنا أو ضد الأقليات السورية لاحقاً؟