الصفحات

الأربعاء، 26 تشرين الثاني، 2014

(فابريس بالانش: "النظام بذل كل ما بوسعه لمنع أية حياة طبيعية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين")

صحيفة الليبراسيون بتاريخ 25 تشرين الثاني 2014 ـ مقابلة مع الباحث المختص بالجغرافية السياسية لسورية فابريس بالانش Fabrice Balanche، مدير مجموعة الأبحاث والدراسات حول البحر المتوسط والشرق الأوسط ـ أجرى المقابلة جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

سؤال: لماذا أخطأت أغلبية المحللين حول قرب سقوط النظام؟
فابريس بالانش: هناك سبب لهذا التفسير الخاطئ لمجريات النزاع يكمن في استخدام أدوات العلوم الإنسانية والسياسية والاجتماعية غير الملائمة لحالة الحرب، ولأن نظام الأسد ليس نظاماً "عادياً". كان يجب اللجوء إلى أدوات الاستراتيجية العسكرية والاستراتيجية المضادة للتمرد بعد تحول الأزمة السورية نحو العنف الشامل. أعطت قوات النظام انطباعاً بأنها تخلت عن أراضي واسعة تحت ضغط المتمردين، ولكنها فعلت ذلك لكي تُركّز جهودها على المناطق الاستراتيجية والمدن ومحاور الاتصالات الحيوية، ثم استأنفت الهجوم. ولكن المقصود قبل أي شيء آخر كان السماح بهروب العناصر غير الموثوقة من أجل تجنب خيانتهم في ذروة مرحلة الهجوم. إن انشقاقات الضباط القادة وبعض أعضاء الحكومة خلال صيف عام 2012 لم يكن إلا تطهيراً "طوعياً" وليست المرحلة التي تسبق الموت. تم استبدال جميع هذه الأطر بسرعة عبر دفعة من الجيل الجديد التي تريد إثبات ولائها عبر فعاليتها. أخيراً، وجد النظام في مكافحة الإرهاب الإسلامي الإيديولوجيا المضادة للتمرد والضرورية لتعبئة معسكره. يسيطر النظام حالياً على 40 % من الأراضي السورية، ولكنها تضم ثلاثة أرباع السكان المقيمين الذين يقدر عددهم بثماني عشرة مليون نسمة، نظراً لأن خمس ملايين نسمة أصبحوا لاجئين في الخارج.
سؤال: كيف قاد الأسد الهجوم المضاد للتمرد؟
فابريس بالانش: لا يمكن مقارنة هذا الهجوم من حيث عدد الضحايا والدمار مع الهجوم المضاد الذي شنته الدول الغربية في أفغانستان والعراق، ولكن المبادئ هي نفسها: أي عزل المتمردين عن السكان المدنيين، ومحاولة كسب السكان إلى جانبهم. ليس المقصود بالضرورة كسب قلوب الناس كما كان عليه الحال بالنسبة لشعار الجنرال دافيد بيتراوس في العراق، بل إثارة مشاعر الخوف بشكل أكبر مما يثيره الخصم من أجل إجبار المدنيين على البقاء في معسكره. من الضروري أيضاً الحفاظ على الأمن وحسن سير المؤسسات في المناطق التي تسيطرون عليها لكي تُثبتون للمدنيين بأنكم تمثلون النظام والأمن. لم يعد السكان يتطلعون إلا إلى عودة السلام بعد عدة أشهر من النزاع الدامي، وتخلوا عن مطالبهم السياسية: إنهم لا يسيروا وراء القضية الأكثر عدالة، بل وراء القادر على إعادة الأمن بأسرع وقت ممكن. بشكل موازي، بذل النظام كل ما بوسعه لمنع أية حياة طبيعية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين من أجل تجنب إدارة أية منطقة بشكل جيد وتحولها إلى نموذج مضاد. إن القصف الأعمى على المناطق المدنية وتدمير البنى التحتية يدخل في نطاق هذه الاستراتيجية. يُضاف إلى ذلك عدم قدرة المعارضة على تشكيل جيش حقيقي.
سؤال: هل النظام مهدد بنقص في المقاتلين؟
فابريس بالانش: صحيح أن الطائفة العلوية مُنهكة، وتخشى من تعرضها للقتل في حال انتصار التمرد، وأنها في مأزق. حصلت بعض الحركات الغاضبة لدى السكان العلويين ضد قادة الجيش بعد استيلاء الدولة الإسلامية على مطار الطبقة في شهر آب وذبح الجنود، ولكنهم رصوا صفوفهم سريعاً. يقوم حزب الله الذي يضم عشرين ألف جندي بالتعويض عن القوات التي تنقص النظام، بالإضافة إلى المتطوعين الشيعة العراقيين. يقوم الإيرانيون بتقديم المشورة حول الاستراتيجية، وتم استخدامهم كإطار لإنشاء قوات الدفاع الوطني في ربيع عام 2012 من أجل تحمل مسؤولية الشرطة والسماح للجيش بشن الهجمات. يتم تأهيل الأطر في إيران، ويقوم حزب الله بتدريب الرجال ميدانياً. لا يمكن نجاح مكافحة التمرد بدون المساعدة الإيرانية الكبيرة والمساعدة الروسية أيضاً. إن أحد نقاط قوة مكافحة التمرد هو التمتع بحلفاء أقوياء، بينما اتصف حلفاء المتمردين بالفتور. إن حلفاء المتمردين مثل تركيا والسعودية وقطر يدعم كل منهم مجموعة مختلفة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم انقسامات التمرد.
سؤال: هل الاستيلاء على حلب هو الهدف الأولي بالنسبة للنظام؟

فابريس بالانش: إن استعادة المدينة الثانية في سورية، حتى لو كان نصفها مدمراً، يُشكل بالنسبة لبشار الأسد انتصاراً رمزياً واستراتيجياً وإعلاناً بنهاية التمرد في شمال ـ غرب سورية. ثم سيكون كافياً احتواء الأخين التوأمين الإسلاميين داعش وجبهة النصرة في الشرق وبعض الجيوب القريبة من جبال لبنان. إن تدميرهما ليس مرغوباً لأن الأسد يعرف بأن أوباما يعتبر بأنه لم يعد خطراً وأن الدولة الإسلامية هي الخطر. من جهة أخرى، تسعى الولايات المتحدة إلى تهدئة حدة معارضي الأسد وحلفائهم الإقليميين.