الصفحات

الجمعة، 21 تشرين الثاني، 2014

(جيل دوكيرشوف: "الخطر كبير بما فيه الكفاية لمنع أجهزة الاستخبارات من النوم")

صحيفة الليبراسيون 21 تشرين الثاني 2014 ـ مقابلة مع المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب منذ عام 2007 البلجيكي جيل دوكيرشوف Gilles de Kerchove ـ أجرى المقابلة مراسلها في بروكسل جان كاترمير Jean Quatremer
                                     
سؤال: كم يبلغ عدد الأشخاص الذين غادروا من دول الاتحاد الأوروبي للقتال في صفوف الدولة الإسلامية؟
جيل دوكيرشوف: لاشك أن العدد يتجاوز ثلاثة آلاف على أساس الأرقام التي تقبل الدول بتبادلها. ليست لدي فكرة عن الأرقام الجديدة، ولاسيما منذ بداية الضربات الجوية للتحالف. هل حرّضت هذه الضربات المزيد من الشباب على الذهاب أم العودة؟ لأن الكثيرين ذهبوا للقتال ضد بشار الأسد، ولكنهم أصبحوا يقاتلون ليس فقط بقية فصائل المقاومة، بل أيضاً يتلقون القنابل على رؤوسهم...
سؤال: هل هناك دول أكثر تعرضا لظاهرة رحيل الشباب من غيرها؟
جيل دوكيرشوف: ألمانيا وبلجيكا وهولاندا والسويد وفرنسا وبريطانيا واسبانيا والدانمارك والنمسا. ولكن من حيث نسبتهم إلى عدد سكان كل دولة: تحتل بلجيكا والدانمارك المرتبة الأولى. بينما تحتل فرنسا المرتبة الأولى من حيث العدد الكلي. سبق أن كان هناك جهاديون في أفغانستان والصومال واليمن، ولكن ليس بهذه النسبة. يرتبط ذلك بسهولة الوصول إلى مسرح العمليات: لا يكلف الذهاب إلى تركيا ثمناً باهظاً، وكان من السهل عبور الحدود السورية حتى فترة قريبة. أشار مسؤول عن أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية إلى وجود تشابه طبوغرافي أكبر بين أحياء المدن الأوروبية الكبرى وأحياء حلب بالمقارنة مع كهوف أفغانستان أو الصحراء في شمال مالي، الأمر الذي جعل النزاع السوري أكثر جاذبية. من جهة أخرى، إن الحوافز أكثر أهمية بالنسبة لأولئك الذين يؤيدون خطاب تنظيم القاعدة: تشير بعض أحاديث الرسول إلى أن الشام هي المكان الذي ستجري فيه المعركة الأخيرة ضد الكفار، وسيعود المهدي خلال هذه المعركة. العامل الأخير هو دور الأنترنت الذي لم يكن موجوداً في النزاعات السابقة.
سؤال: ما هي المشكلة الرئيسية التي يطرحها هؤلاء المقاتلين؟
جيل دوكيرشوف: إنها عودتهم. بالتأكيد، نحن لا نعرف عدد الذين سيعودون من بين ثلاثة آلاف شخص. كما لا نعرف عدد أولئك الذين سيتحولون إلى العنف من بين الذين سيعودون. ولكن الأمر مُقلق جداً بالنظر إلى عددهم: لنفترض أن نصفهم سيعود، وأن 10 % من العائدين يفكرون بالتحول إلى العنف، يعني ذلك أن هناك مئة وخمسين شخصاً تعلموا استخدام الأسلحة والمتفجرات، وشكلوا شبكة من رفاقهم في المعركة عبر العالم بأسره، وازداد مستوى تسامحهم مع العنف كثيراً. تُظهر لنا قضية مهدي نيموش مدى الخطر الذي نتعرض له. إنه خطر كبير بما فيه الكفاية لمنع مسؤولي أجهزة الاستخبارات من النوم.
سؤال: هل يمكن تشبيه هؤلاء الجهاديين الشباب بالكتائب الدولية في إسبانيا؟
جيل دوكيرشوف: إذا كان البعض مُفعماً بالمشاعر العامة ومصدوماً بحقيقة أن المجتمع الدولي لم يقم بما فيه الكفاية لتقديم المساعدة إلى الربيع السوري في بداية الحرب في سورية، فإن الوضع قد تغير اليوم. إن ما بين 80 و90 % من هؤلاء الشباب ينضمون إلى الدولة الإسلامية التي اعتبرتها الأمم المتحدة إرهابية ووحشية لا اسم لها. لم يعد بالإمكان الحديث عن رومانسية ومثالية وكرم، بل عن جريمة وبربرية ووحشية.
سؤال: منذ متى بدأت الدول الأوروبية بتبادل المعلومات حول هذه الحركات الجهادية الأوروبية؟
جيل دوكيرشوف: تحركت الدول على الصعيد الداخلي منذ البداية. على الصعيد الأوروبي، قمت بتحذير الدول الأعضاء منذ شهر كانون الثاني 2013 في إطار تقرير أعددته حول نتائج الربيع العربي على الأمن. أعددت تحليلاً معمقاً لهذه الظاهرة في شهر آذار 2013، ثم اقترحت في شهر أيار خطة عمل أوروبية تتضمن اثنين وعشرين إجراءً، هذه الخطة التي تبناها وزراء الداخلية بالإجماع. منذ ذلك الوقت، نوقشت هذه النقطة في جميع الاجتماعات التي كنت أطرح فيها اقتراحات وتقويمات إضافية.
سؤال: ما العمل لمواجهة هذه الظاهرة؟
جيل دوكيرشوف: لا يجب أن تكون المقاربة قمعية فقط. من المؤكد أنه في حال تسوية مشكلة الدولة الإسلامية في العراق وسورية، فإن ذلك سيُجفف مصدر التجنيد. هذا ما يفعله المجتمع الدولي حالياً على الصعد الدبلوماسية والسياسية والإنسانية والعسكرية. يجب أيضاً تجفيف مصادر تمويل الدولة الإسلامية القادمة من الخارج، ولاسيما من دول الخليج، ومعالجة مسألة التلفزيونات الفضائية التي تبث دعوات الجهاد ليلاً نهاراً. يجب أن يكون العمل متعدد الجوانب في أوروبا، يجب علينا أولاً فهم هذه الظاهرة وأساليب التجنيد المتبعة وطرق الوصول المستخدمة. لا يجب التردد حيال التدخل منذ بداية عملية التحول نحو الراديكالية عبر الاعتماد على شبكة من التوعية تجاه الراديكالية، هذه الشبكة التي أنشأتها المفوضية الأوروبية من أجل تحديد الممارسات الفعالة في كل بلد، والاستفادة منها.
سؤال: وعلى الصعيد الأمني؟
جيل دوكيرشوف: تسمح أجهزة الاستخبارات بتحديد بعض المرشحين للرحيل. ولكن لا بد  أيضاً أن يملك الاتحاد الأوروبي نظام PNR (Passenger Name Recorder) على النمط الأمريكي الذي يسمح بمعالجة جميع المعلومات الشخصية لركاب الطائرات المدنية من أجل اكتشاف الحركات المشبوهة. للأسف، إن البرلمان الأوروبي يعرقل هذا الملف خوفاً على الحريات الشخصية. عندما يتم اكتشاف هؤلاء الأشخاص، يجب أن نتمكن من منعهم من مغادرة الأراضي الأوروبية كما قررت فرنسا على سبيل المثال. يمكن القيام بإلغاء جوازات السفر بناء على معلومات استخباراتية متطابقة، وتحت رقابة القاضي بالطبع. إذا تمكن الشخص من المغادرة، فهذا يعني أنه ارتكب جريمة، الأمر الذي يسمح بوضع اسمه على نظام معلومات شينغن، وبالتالي القبض عليه عند عودته. أخيراً، يجب مساعدة الدول الأخرى مثل دول البلقان الغربية وشمال أفريقيا الذين يواجهون الظاهرة نفسها. على سبيل المثال، هناك ثلاثة ألاف مواطن تونسي في سورية، واستطاعت تونس منع تسعة ألاف من المغادرة.
سؤال: أليست المشكلة الرئيسية للإسلام في أوروبا تكمن في أن الجوامع تُموّل من قبل دول الخليج ولاسيما السعودية التي تنشر عقيدة راديكالية؟

جيل دوكيرشوف: إن المسألة تتجاوز رجال الدين المسلمين، حتى لو أنه يجب علينا مناقشة ذلك مع السعودية، وقد بدأ هذا النقاش فعلاً. كما يجب علينا مكافحة السلفية العنيفة بمختلف الوسائل: الأنترنت والتلفزيون والمُبشرين المتنقلين. نظمت المفوضية الأوروبية لقاءاً هاماً على الأنترنت قبل عدة أسابيع مع بعض الشركات الكبيرة مثل غوغل وفيسبوك ويوتوب من أجل رؤية كيف يمكن حذف كل ما يدعو إلى العنف، وتطوير خطاب مضاد. كما قررت المفوضية مساعدة الدول الأعضاء في إعداد سياسة إعلامية تشرح ما تفعله أوروبا لمساعدة السوريين وتشجيع الأصوات المعتدلة في الإسلام الأوروبي على إدانة الانحرافات الإجرامية.