الصفحات

السبت، 22 تشرين الثاني، 2014

(عالم الغد كما يراه فلاديمير بوتين)

صحيفة اللوموند 22 تشرين الثاني 2014 بقلم مراسلتها في موسكو إيزابيل ماندرو Isabelle Mandraud

     تشير المعلومات إلى وجود متزايد أكثر فأكثر للسفن الروسية على حدود المياه الإقليمية، وللطائرات الروسية في المجال الجوي للحلف الأطلسي الذي أحصى تواجدها أكثر من مئة مرة عام 2014، أي ثلاثة أضعاف تواجدها خلال العام الماضي. تتزايد إشارات الإنذار حدة أكثر فأكثر حول الوضع في شرق أوكرانيا التي تمثل محور الأزمة بين الشرق والغرب، وأصبح الغرب يؤكد أنه يستعد لـ "حرب شاملة". ردت الدبلوماسية الروسية بقولها: "إنها هذيانات"، ونفت تحليق الطائرات العسكرية ووصول القوافل العسكرية إلى دونباس في شرق أوكرانيا. يُحذر الغرب من وجود خطر، وأن فلاديمير بوتين يستعد للحرب.
     ظهرت روسيا معزولة جداً في قمة العشرين في استراليا خلال شهر تشرين الثاني، وذلك بعد إقصائها من قمة الثمانية في واشنطن خلال شهر نيسان الماضي. غادر الرئيس الروسي قمة العشرين بدون المشاركة في الاجتماع الختامي. لا يجب تفسير هذه البادرة من خلال المزاج السيء فقط، بل أيضاً باعتبارها إرادة مقصودة بتجاوز إطار العلاقات الدولية الناجمة عن نهاية الحرب الباردة. إن فلاديمير بوتين مصمم على تغيير النظام القائم عبر التشكيك بالحدود والمؤسسات العابرة للقوميات والقواعد الدولية، بالإضافة إلى استخدام القوة والدعوة إلى التعبئة العامة عبر الدبلوماسيين والجيش ووسائل الإعلام.
     طرح فلاديمير بوتين بنفسه هذا الموضوع بهذه الصيغة في كلمته التي ألقاها في سوتشي أمام نادي فيلداي Vildaï للحوار خلال شهر تشرين الأول الماضي، هذا النادي الذي يضم أهم رجال الأعمال الروس وبعض المحللين الأجانب. أكد فلاديمير بوتين قائلاً: "هناك عالم جديد مع قواعد جديدة أو رهان بدون قواعد؟ أعتقد أن هذه الصيغة تُعبّر بدقة عن المنعطف التاريخي الذي وصلنا إليه اليوم"، ثم أعطى مفتاحاً لقراءة مبسطة: سيكون ذلك إما مع موسكو أو ضد موسكو. وأضاف قائلاً: "ترافقت التغيرات في النظام العالمي ـ وكل ما نراه اليوم يشكل أحداثاً بهذا الحجم ـ بالحرب والنزاعات على الصعيد العالمي، على الأقل عبر سلسلة من النزاعات المحلية المكثفة. أعتقد أن النزاع في أوكرانيا لن يكون الأخير بالتأكيد".
     يعتبر الكريملين أن الولايات المتحدة تُهيمن على عالم اليوم، وتتصرف "بالشكل الذي يتصرف به الأغنياء الجدد عندما يجدون أنفسهم فجأة أمام ثروة كبيرة"، يجب أن نفهم من تعبير "الثروة الكبيرة" هذا الفراغ الذي تركه اختفاء الاتحاد السوفييتي على موازين القوى. لا تتحمل روسيا هذا الوضع، وتتهم عدو البارحة بالمناورة. قال الرئيس الروسي: "نشهد اليوم  الانتشار المتزايد للفوضى بدلاً من الدول المستقرة وذات السيادة؛ وبدلاً من الديموقراطية، هناك دعم من أجل شعب يبعث على الكثير من الشك ابتداء من الفاشيين الجدد وانتهاء بالإسلاميين الراديكاليين، سواء فيما يتعلق بالثورات الملونة في شرق أوروبا أو الانتفاضات العربية... حاول زملاؤنا السيطرة على هذه العمليات إلى حد ما، واستغلال النزاعات الإقليمية حسب مصالحهم، ولكن العفريت هرب من المصباح". يُقال أن زعيم الكريملين مصدوم بسبب سقوط القذافي، وهو مقتنع بأنه هو شخصياً مهدد أيضاً.
     إن نظرية "المؤامرة" ليست جديدة، وقد رسم فلاديمير بوتين ملامحها منذ عام 2007 في كلمة حول الأمن العالمي في ميونيخ، عندما تحدث عن "حرب باردة تركت لنا قنابل لم تنفجر". من بين هذه القنابل التي لم تنفجر، هناك توسيع الحلف الأطلسي داخل منطقة نفوذ الاتحاد السوفييتي سابقاً، هذا التوسع الذي تم اعتباره كإهانة ورغبة متعمدة في إلحاق الضرر. ولكن الأمر الجديد يكمن في حقيقة أن روسيا انتقلت من الكلام إلى التطبيق العملي، وأصبحت هي نفسها طرفاً في الفوضى التي تعزو سببها إلى الغرب.
     أصبح كل شيء مسموحاً لزعزعة استقرار المسرح العالمي الذي لم يعد يلائم الرئيس الروسي، مثل ضم شبه جزيرة القرم، والاستخفاف باستقلال أوكرانيا، ودعم المتمردين المؤيدين لروسيا في شرق أوكرانيا، واستراتيجية التوتر في المناطق الأخرى مثل موالدافيا وترانسنيستريا Transnistrie، والعديد من المناورات العسكرية في كل مكان من القطب الشمالي إلى المحيط الهادي، دون نسيان الهجمات المتكررة ضد المنظمات الدولية المُعتبرة بأنها تحت نفوذ غربي.
     أعلنت روسيا مؤخراً عبر ممثلها أناتولي فيكتوروف Anatoli Viktorov أنها "قلقة من النزعة نحو طلب انعقاد مجلس الأمن في الأمم المتحدة حول مشاكل متعلقة بحقوق الإنسان في هذا البلد أو ذاك". كما ظهر للمرة الأولى أن روسيا تريد إعادة النظر بالمراقبة على التسلح عبر إلقاء مسؤولية توقف المفاوضات على الولايات المتحدة التي "انسحبت بشكل أحادي الجانب من المعاهدة حول الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية (ABM) عام 2002". قال الرئيس الروسي في سوتشي: "إن أوكرانيا هي أحد الأمثلة على النزاعات التي تؤثر على توازن القوى العالمية، وسينبثق منها التهديد القادم الحقيقي التي سيدمر النظام الحالي لاتفاقيات المراقبة على الأسلحة". يأمل فلاديمير بوتين الاستفادة من هذا الوضع الذي تزعزع استقراره بعمق من أجل التوصل كما قال إلى "تسوية عالمية جديدة بين القوى المسؤولة".