الصفحات

الجمعة، 28 تشرين الثاني، 2014

(مجزرة في الرقة تحت قنابل الأسد)

صحيفة اللوموند 28 تشرين الثاني 2014 بقلم مراسلها في بيروت بنجامان بارت Benjamin Barthe

     اختفت الطائرات السورية من سماء الرقة منذ بداية القصف الأمريكي في سورية على الرغم من أن هذه المدينة تمثل قاعدة عمليات الدولة الإسلامية. يبدو أن طياري نظام الأسد تلقوا المعلومات بالبقاء بعيداً عن المناطق التي يُنتظر أن يقصفها التحالف الدولي من أجل تجنب أية مواجهة مع طائرات التحالف. بدأ جزء من سكان الرقة بالعودة للمدينة بعد أن لاحظوا بأن الغارات الأمريكية ضد داعش كانت دقيقة ولم تتسبب بأية خسائر بشرية ـ الضحية الوحيدة للقصف الأمريكي هي إمرأة ماتت بسكتة قلبية ـ ، كما لاحظوا أن الغارات الأمريكية ردعت النظام عن التحليق فوق المدينة.  
     ولكن "المظلة الأمريكية" تمزقت بعد ظهر يوم الثلاثاء 25 تشرين الثاني عندما شن الطيران السوري هجوماً مُدمراً ضد مركز مدينة الرقة، وتسبب الهجوم بمقتل مئة شخص على الأقل. أشارت المصادر المحلية إلى وقوع تسع ضربات موجهة ضد الأماكن المزدحمة جداً في تلك الساعة. أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان خمسة وتسعين قتيلاً، منهم اثنين وخمسين مدنياً. أحصى ناشطو تجمّع "الرقة تقتل نفسها بصمت"، وهي منظمة متخفية تعمل في المدينة، حصيلة أكبر بكثير: أي مئتين وعشرين قتيلاً، جميعهم مدنيين. قال أبو ورد الرقاوي، اسم مستعار لأحد الناشطين المتنكرين في الرقة، عبر سكايب: "هكذا ينتقم الجيش السوري. لم يتحمل مسؤولوه فيلم الفيديو الذي بثه داعش في منتصف شهر تشرين الثاني، مُظهراً فيه قطع رؤوس ستة عشرة جندياً بالإضافة إلى الرهينة الأمريكية بيتر كاسيغ. ولكنهم بالطبع لم يزعجوا أنفسهم باستهداف مواقع الدولة الإسلامية. إن المدنيين هم الذين يدفعون الثمن كالعادة".
     تُظهر أفلام الفيديو التي تم تصويرها بعد فترة قصيرة من الانفجارات بعض الشوارع المغطاة بالأنقاض والسيارات المتفحمة، وأشلاء الجثث الممددة في كومة من الطين والخردة، بالإضافة إلى بعض المتطوعين الذين يغطون القتلى بأغطية بلاستيكية بيضاء. أظهر فيلم آخر من داخل المستشفى بعض الجرحى المكومين في قاعة ضيقة أو على النقالات للأكثر حظاً من بينهم. قال أبو ورد: "تنقصنا التجهيزات والأدوية وحتى الأطباء نظراً لأن الكثيرين منهم هربوا منذ استيلاء داعش على المدينة في بداية العام. طلبنا مساعدة المنظمات الإنسانية عدة مرات، ولكن لا أحد يهتم بنا".
     أحيت هذه المجزرة شكوك المعارضين ضد الأسد بوجود تنسيق سري بين دمشق وواشنطن، وقد برزت هذه الشكوك في بداية القصف عندما ظهر أن الولايات المتحدة تتجنب قصف مواقع الجيش السوري. قال أحد ناشطي المعارضة في تركيا جماح القاسم Jamah Al-Qassem: "كيف يتمكن النظام من إرسال طائراته إلى مدينة تُحلق فوقها الطائرات الأمريكية باستمرار بدون أن يأخذ الإذن من الأمريكيين". قالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان صحفي أنها "تشعر بالهول" مؤكدة أن "الأسد فقد كل مصداقيته للحكم" وأن الولايات المتحدة "ما زالت مصممة على دعم المعارضة السورية". أكد مسؤول أمني رفيع المستوى في دمشق في اتصال مع وكالة الصحافة الفرنسية AFP حصول الغارات على الرقة، ولكنه أكد أيضاً أن السلطة "لا تنسق عملياتها مع التحالف". ولكن هذا النفي الشكلي وكذلك البيان الأمريكي لم يُقنعا الناس في الرقة. قال أبو ورد: "يتوالى تحليق الطائرات الأمريكية والسورية فوق رؤوسنا بفاصل  قدره عدة ساعات. حلقت الطائرات الأمريكية مساء يوم الثلاثاء 25 تشرين الثاني، وحلقت الطائرات السورية بعد ظهر اليوم نفسه. لا يمكن تنسيق مثل هذه الأوركسترا الجوية بدون تنسيق".
     لم يذهب الائتلاف الوطني السوري إلى حد اتهام البيت الأبيض بالتواطؤ مع دمشق، وأظهر انفعاله في بيان غامض مشيراً إلى أن "الكثير من المعارضين يبدو أنهم مقتنعون بأن الأسد هو المستفيد الرئيسي" من حملة القصف الأمريكي ضد الدولة الإسلامية. يعيش سكان الرقة هاجس الغارة القادمة لطائرات الميغ السورية. يعرف السكان أن الجهاديين لن يتوانوا عن الانتقام لمجزرة يوم الثلاثاء 25 تشرين الثاني عبر قطع رؤوس مجموعة جديدة من الجنود، وأن ذلك سيؤدي بدوره إلى إثارة غضب دمشق. إلا إذا شددت واشنطن من لهجتها بسبب قرب تحليق الطائرات الأمريكية من الطائرات السورية فوق الرقة. كرر الحلف الأطلسي يوم الأربعاء 26 تشرين الثاني أنه لا ينوي إقامة منطقة حظر جوي فوق شمال سورية، بخلاف توسلات المعارضة السورية. انفجر أبو ورد غاضباً أمام الكمبيوتر الذي يمثل نافذته على العالم، وقال: "نحن نكره النظام، نحن نكره داعش، والآن نحن نكره التحالف الدولي بنفس الدرجة تقريباً".