الصفحات

الاثنين، 16 كانون الأول، 2013

(سورية: "لم يكن يجب علينا تصديق هذه الثورة")

صحيفة الليبراسيون 14 كانون الأول 2013 بقلم لوك ماتيو Luc Mathieu

     محمد شادي Mohammad Chadi (25 عاماً) هو أحد الثوار السوريين الذين لجؤوا إلى فرنسا منذ شهر أيار، لم يعد يحلم إلا بحلم واحد هو العودة إلى سورية وأن يشرب الشاي مع عمه على الشرفة التي تطل على حقول الزيتون. ولكن ،في الواقع،  اختفى عم شادي منذ الصيف الماضي عندما جاء بعض الجهاديين إلى منزله في أطمة بالقرب من الحدود التركية، وأخذوه للتحقيق معه. لم يره أي شخص منذ ذلك الوقت.
     يتعرض محمد شادي للملاحقة من قبل القوات النظامية بسبب مشاركته في المظاهرات في حلب ضد نظام بشار الأسد، كما أصبح مستهدفاً من قبل الجهاديين منذ قيامه بتأسيس معسكر للاجئين في أطمة. يعرف محمد شادي أن التمرد الذي يدعمه دون أن يحمل السلاح، لن يستطع حمايته، ولم يبق أمامه إلا الهجرة.
     يتحدث محمد شادي عن وصوله إلى فرنسا كـ "معجزة". لقد غادر أطمة في شهر أيار حاملاً ًمعه حاسوبه وبعض الألبسة في كيس صغير. حصل على تأشيرة مرور من القنصلية الفرنسية في أنقرة، ولكنه كان مقتنعاً بأن هذه الورقة لن تكف لعبور الجمارك في استانبول. سمحت له الشرطة التركية بالمرور دون طرح أي سؤال، ووصل إلى مدينة ليون الفرنسية بعد أربع ساعات. منذ وصوله إلى فرنسا، يعيش محمد شادي مع قريبه عبد الله الذي يقوم بالتحضير لرسالة الدكتوراه في الهندسة المعمارية، بالإضافة إلى زوجة قريبه وطفلهما في إحدى ضواحي ليون بمدينة Saint-Genis-Laval. يأسف محمد شادي لأنه لم يجلب معه علم الثورة السورية لتعليقه على حائط غرفته في المنزل.
     اعترف محمد شادي في لقاء مع صحيفة الليبراسيون في خريف عام 2012 أن ثورة المظاهرات السلمية والشعارات ضد النظام الدكتاتوري تحولت ببطىء إلى حرب أهلية، وكان يؤكد بأن الأسوأ هو نزاع طائفي ومصادرة الحركة المتمردة من قبل الجهاديين المتعصبين، وكان يعتقد أنه من الممكن تجنب ذلك. ولكن لم يعد لديه أي أمل حالياً، وقال: "لم يكن يجب علينا تصديق هذه الثورة. كنا نعرف أن بشار مجرم وأنه سيفعل كل شيء للبقاء في السلطة. ولكننا قللنا من عنف قمعه. لم نكن نتصور أنه سيهاجم شعبه بهذه الدرجة. صحيح أننا استطعنا الحصول على بعض الأراضي، ولكنها وقعت اليوم تحت سيطرة تنظيم القاعدة. لم ينجح أي شيء".
     لم يكن محمد شادي يريد هذه الثورة، ولكنها فرضت نفسها عليه في أحد أيام الجمعة في شهر نيسان 2011 عندما شارك في مظاهرة خرجت من جامع سيف الدولة دعماً لمدينة درعا. كان محمد يعيش حياة طالب من الطبقة الوسطى في حلب عبر متابعة دراسة الهندسة الكهربائية والعمل في شركة العائلة لاستيراد الساعات. إنه شاب سني من عائلة تعرض العديد من أفرادها للاعتقال خلال سنوات الثمانينيات، ولم يكن يفكر إطلاقاُ بالتظاهر ضد النظام. استمرت هذه المظاهرة دقيقتين، وعاد محمد بعدها إلى منزله راكضاً من الخوف. لم يقل لأي شخص أنه تجرأ وتحدى السلطة. أشار شادي إلى أن الشبيحة دخلوا إلى جامع سيف الدولة للمرة الأولى في شهر تموز 2011، وقال: "رأيتهم يطعنون ويقتلون متظاهرين اثنين دخلا إلى الجامع"، ثم قامت السلطات بإغلاق الجامع بعد يومين. ولكن التمرد وصل إلى الجامعة، وبدأ الطلاب ينظمون المظاهرات في ساعة الغذاء. كانت المظاهرات تستمر عشر أو خمس عشرة دقيقة حتى وصول الشبيحة بالعصي والهراوات، أما الشرطة فكانت تستخدم القنابل المسيلة للدموع.
     تعرض محمد شادي للاعتقال في شهر تشرين الأول 2011، واكتشف رجال الشرطة في حاسوبه وجود أفلام فيديو حول المظاهرات في حلب، واقتادوه إلى أجهزة المخابرات العسكرية. تعرض محمد للضرب أثناء استجوابه، واضطر للتوقيع على اعترافات لم يقرأها. ثم تم تقديمه إلى القاضي، فأنكر أمامه أي دعم للثورة، ثم تم الإفراج عنه. تعرض للاعتقال مرة أخرى أثناء إحدى المظاهرات في بداية عام 2012، وكرر أمام الجنود الذين يضربونه أنه لا علاقة له بهذه المظاهرة، وأنه كان ماراً لشراء الخبز. حذره القاضي قائلاً: "إذا تعرضت للاعتقال مرة ثالثة، سأقتلك بيدي"، ثم خرج من السجن ليعيش بشكل نصف سري. ترك عائلته، وأصبح ينام لدى الأصدقاء.
     شاهد محمد شادي مجزرة جديدة بتاريخ 14 نيسان عندما قام رجال الشرطة بقتل 15 متظاهراً أمام جامع الرشيد. وبعد شهر، قام بمهمة الناطق الرسمي باسم الطلاب أمام فريق المراقبين من الأمم المتحدة في حلب. أظهر لهم أشرطة الفيديو، وحدثهم عن القمع والاعتقال والتعذيب. ثم غادر مراقبو الأمم المتحدة بعد ساعتين، وأدرك محمد أنهم لن يفعلوا شيئاً. غادر بعدها إلى قريته أطمة التي لم يحصل فيها أية معارك حتى ذلك الوقت. كان يبدو على محمد الملل من هذا التمرد الذي لا ينتهي في شهر تموز 2012 أثناء لقاء مع صحيفة الليبراسيون، ولكنه كان يرفض التراجع، وقال: "جئت إلى أطمة لمساعدة التمرد، ولكن لم أحمل السلاح، لأنني ببساطة لا أريد أن أقتل". تحولت أطمة في ذلك الوقت إلى قاعدة خلفية للمتمردين، وأصبحت القرية نقطة المرور السرية للأسلحة بين تركيا وسورية. في ذلك الوقت، كان المناخ مشوباً بالأمل أن بشار الأسد سيسقط، وأن القضية مجرد وقت.
     كرّس محمد شادي جهوده في العمل الإنساني لاستقبال اللاجئين القادمين إلى أطمة هرباً من طائرات الميغ والطائرات المروحية التابعة للجيش السوري.، وقال: "أصبح الوضع خطيراً. لم يكن هناك شيئاً في الحقول، لا خيام ولا ماء ولا تمديدات صحية ولا كهرباء. لم أكن أعرف كيف سيمضي اللاجئون فصل الشتاء، وحينها قررت بناء مخيم حقيقي منظم ومجهز". استطاع محمد العثور على أرض في القرية المجاورة، ثم ساعده رجل الأعمال الليبي عبد السلام عاشور الذي يريد مساعدة ثورة لا تدعمها أية حكومة غربية، وقدم له مبلغ 23.000 دولار لبناء المخيم. كان محمد يدير كل شيء لوحده، ويقوم بالمفاوضات مع المنظمات الأجنبية غير الحكومية التي تريد تقديم المساعدة ولكن بشرط الإشراف على إدارة المخيم.
     إلتقى محمد شادي أيضاً بالمقاتلين الجدد في شوارع أطمة، إنهم ليسوا سوريين بل مصريين وتونسيين ومغاربة وسعوديين وأتراك وشيشان و وداغستانيين وبريطانيين وفرنسيين وألمان وصوماليين. بدأ الجهاد العالمي بالتوجه نحو سورية منذ ربيع 2012، وأصبحت أطمة نقطة العبور الرئيسية. كان المقاتلون الأجانب يتجنبون الاختلاط بالسكان في البداية، ويقولون أنهم جاؤوا للموت، ومن الأفضل عدم التعلق بهم. لقد ساعدهم أدبهم في الحصول على رضا سكان القرى الذي كانوا يقدمون لهم الفواكة بعض الأحيان. ولكن بعد مرور عدة أشهر، اكتسب المقاتلون الثقة بالنفس، وتعززت صفوفهم، وأدركوا أن المتمردين الأوائل في الثورة ليسوا قادرين على طردهم. وهكذا حاولوا فرض نظامهم ورؤيتهم للشريعة على السوريين الذين لم يطلبوا منهم شيئاً، ووقعت بعض الحوادث بين المقاتلين الأجانب والسوريين.
     سيطر المقاتلون الأجانب مع مرور الوقت على شمال سورية، وهم ينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين هما: جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التابعة لتنظيم القاعدة في العراق. إن هدفهما ليس إسقاط بشار الأسد بل إقامة خلافة إسلامية في المنطقة. تتسم أساليبهما بالبربرية والاعتقالات التعسفية والإعدامات في الساحات العامة، ويعتبرون جميع الزوار الأجانب وحتى العاملين منهم في المجال الإنساني كجواسيس يجب اعتقالهم.
     لا يحب محمد شادي الآن الحديث عن هذه المعضلة التي كانت ثورة وتحولت إلى نزاع إقليمي يطغى عليه الجهاديون. إنه يحاول عدم التفكير بذلك وبناء حياة جديدة، وبدأ بتعلم اللغة الفرنسية، ويريد الحصول على اللجوء السياسي، ويبحث عن عمل. إنه يحاول تحليل الأمور التي لم تنجح، وما كان يجب القيام به بشكل مختلف. إنه يتهم "الخونة" الذين كذبوا أو استفادوا من التمرد الأعزل، ويذكر بعض الضباط الكبار في الجيش السوري الذين وعدوا بالانشقاق ولكنهم لم يتركوا مناصبهم في النهاية، كما يتهم الدول الغربية التي لم تقدم المساعدة على الرغم من تصريحاتها، كما يتهم المجموعات الجهادية التي تسيطر على المناطق المحررة من قبل المتمردين السوريين.