الصفحات

الجمعة، 20 كانون الأول، 2013

(المتطرفون يطغون على التمرد)

صحيفة الليبراسيون 19 كانون الأول 2013 بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     عندما جاء الجنرال سليم إدريس رئيس الجيش السوري الحر، الذراع المسلح للائتلاف الوطني السوري، إلى باريس في شهر تموز الماضي، كان يؤكد دون الخوف من تعرضه للسخرية أن صعود قوة المجموعات الجهادية في سورية لم يكن إلا "اختراعاً" من قبل الصحفيين الغربيين. بعد مضي ستة أشهر، لم يعد هذا الضابط متأكداً من قدرته على العودة إلى المناطق المتمردة بسبب هذه المجموعات الإسلامية التي كان يقلل من أهميتها بشكل دائم. على العكس، إن القوات الذي يقودها تلاشت اليوم إلى درجة أصبحت فيها عديمة الأهمية. حصل الفشل الأخير في الأسبوع الماضي عندما خسر مركز باب الهوى الحدودي الذي يمثل نقطة العبور الإستراتيجية على الحدود التركية التي تسيطر عليها عدة مجموعات متمردة. كان هناك مركز قيادة الجيش السوري الحر وعدة مستودعات للأسلحة والذخيرة بالقرب من الحدود التركية، وقد خسرها أيضاً لصالح تحالف جديد للمتمردين هو الجبهة الإسلامية التي تأسست في بداية شهر كانون الأول. أعقب هذا الفشل هروب العديد من قادة وحدات الجيش السوري الحر ولجوئهم إلى تركيا خوفاً على حياتهم. يُخشى من الآن فصاعداً أن الحرب في سورية تتلخص أكثر فأكثر في مواجهة بين  المجموعات الإسلامية التي تضم جزءاً من الجهاديين وبين القوات الموالية لبشار الأسد.
     لم يكن التمرد السوري يتسم بالعنف في البداية، ثم أصبح تمرداً مسلحاً منذ صيف 2011 لمواجهة القمع الوحشي للقوات النظامية التي كانت تقتل المتظاهرين. إذاً، كانت مهمة الجيش السوري الحر، المؤلف من المنشقين وبعض المدنيين الذين انضموا إليه لاحقاً، حماية المتظاهرين. ثم بدأ يبذل جهده شيئاً فشيئاً للسيطرة على المدن التي تمردت. نقطة الضعف الأولى هي أن ضباط الجيش السوري الذين انشقوا جاؤوا من الأقسام الإدارية واللوجستية، باعتبار أن المراكز الهامة يحتكرها العلويون في أغلب الأحيان. صحيح أن حوالي خمسين جنرالاً انشقوا عن الجيش، ولكن هذا العدد يبقى ضئيلاً بالمقارنة مع عدد جنرالات الجيش السوري البالغ عددهم 1200 جنرالاً.
     أظهر الجيش السوري الحر تصميمه خلال الحصار الطويل لحمص من قبل الفرقة المدرعة الرابعة. ولكن في هذه اللحظة شاهدنا محدودية قوته: لم تأت أية وحدة أخرى تابعة للجيش السوري الحر لتقديم المساعدة أو السعي إلى قطع طرق إمدادات القوات النظامية. إن إنشاء المجلس العسكري الأعلى لم يغير شيئاً في المعطيات، قال مدير مجموعة الأبحاث والدراسات حول المتوسط فريدريك بالانش Frédéric Balanche: "لم يكن الجيش السوري الحر موجوداً على الأرض إطلاقاً. إنه مجرد شعار لبعض المجموعات المتمردة قبل أي شيء آخر". كما أن بعض هذه المجموعات كانت أهدافها إسلامية مثل كتائب التوحيد التي تعمل في حلب. أضاف فريدريك بالانش قائلاً: "إذا كانت هذه المجموعات تشكل جزءاً من الجيش السوري الحر، فلأنها كانت تأمل الاستفادة من شحنات الأسلحة المرسلة من قبل الدول الغربية". عندما اتضح أن هذه الأسلحة لن تصل، تخلت هذه المجموعات عن الجيش السوري الحر. إن رفض الولايات المتحدة للتدخل، بعكس وعودها، بعد الهجوم بالأسلحة الكيميائية أدى إلى تسريع هذه الحركة. كما أن الجيش السوري الحر تتآكله المجموعات المافيوية التي ضمها تحت جناحه من أجل تضخيم عدد أفراده، ولكنها ساهمت في نزع المصداقية عنه إلى حد كبير.
     تأسست في تاريخ 22 تشرين الثاني الجبهة الإسلامية التي تضم أقوى سبع مجموعات متمردة، ويوجد في صفوفها أغلب أفضل القيادات في التمرد. حصلت القطيعة مع الجيش السوري الحر بتاريخ 3 كانون الأول عندما انسحبت الجبهة الإسلامية من هيئة الأركان التي كانت تعتبر نفسها "مجموعة سياسية وعسكرية واجتماعية مستقلة تسعى إلى إسقاط نظام الأسد بشكل كامل وبناء دولة إسلامية تقليدية صارمة". أعلنت الجبهة الإسلامية عن تشكيل مكتب وحيد مكلف باستقبال وتوزيع جميع المساعدات العسكرية التي ستصله. لا شك أن السبب في إنشاء مثل هذا المكتب جاء تحت ضغط الممولين الأغنياء جداً في الخليج ابتداءاً من الكويت التي اشترطت إنشاء هيكلية واحدة من أجل تقديم مساعدتها.
     ولكن المعطيات تعقدت مع صعود قوة مجموعتين جهاديتين. تأسست جبهة النصرة في شهر كانون الثاني 2012 من قبل بعض الجهاديين المرتبطين بتنظيم القاعدة القادمين من العراق وبعض الإسلاميين الذين أفرج عنهم النظام. ثم حصل انشقاق أدى إلى ولادة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام التي انخرطت في تصفية الحسابات مع بقية المجموعات المتمردة بالإضافة إلى مقاتلة النظام.
     سعى الجيش السوري الحر في البداية إلى التفاهم مع هؤلاء المقاتلين المتمرسين والمستعدين للقتال حتى الموت. وقعت القطيعة في 11 تموز الماضي عندما قام الجهادي العراقي أبو أيمن البغدادي بقتل أحد أفضل قادة الجيش السوري الحر كمال الحمامي الذي كان شاباً ويؤيد المثل الديموقراطية، وذلك بعد لقائه مع أحد قادة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في منطقة اللاذقية.

     أشارت دراسة حديثة لمركز دراسات IHS Jane’s Terrorism and Insurgency Center إلى أن الجهاديين في جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام يمثلون حوالي نصف عدد القوات المتمردة مقابل 10 ـ 15 % للجيش السوري الحر. إن الفشل الأخير للجيش السوري الحر هو قيام واشنطن ولندن بتعليق إرسال الأسلحة غير الفتاكة إليه منذ الأسبوع الماضي بسبب فقدان باب الهوى خشية من وقوع المساعدة بين أيدي المجموعات الراديكالية.