الصفحات

الأحد، 29 كانون الأول، 2013

(هولاند في السعودية: توافق دبلوماسي ولكن بدون عقود)

مدونة جورج مالبرونو الإلكترونية 28 كانون الأول 2013

      تمثل زيارة فرانسوا هولاند إلى السعودية يومي الأحد والاثنين 28 و29 كانون الأول منعطفاً سعودياً لرئيس الدولة. جعلت فرنسا من السعودية "شريكها المرجعي" في الشرق الأوسط، بعد أن كانت قطر تلعب هذا الدور أثناء حكم نيكولا ساركوزي. سيتضمن جدول أعمال المحادثات بين الملك عبد الله وفرانسوا هولاند: لبنان وسورية والملف النووي الإيراني والتوقيع على بعض العقود. تتفق باريس والرياض حول أغلب الملفات الدبلوماسية الإقليمية، وهذا ما تدل عليه الزيارات المتكررة جداً لوزير الخارجية سعود الفيصل ورئيس أجهزة الاستخبارات بندر بن سلطان إلى فرنسا.
      فيما يتعلق بسورية، يبذل الفرنسيون والسعوديون كل ما بوسعهم لكي يتمكن معارضو بشار الأسد من إسقاط النظام البعثي. أحست الرياض وباريس بخيبة كبيرة بسبب عدم قيام الولايات المتحدة بقصف دمشق في شهر أيلول بعد الهجوم الكيميائي المنسوب إلى الأسد والذي أدى إلى مقتل أكثر من 1200 شخص في ضواحي العاصمة السورية. يتمنى فرانسوا هولاند منذ ذلك الوقت الاستفادة من الجفاء بين الرياض وحليفها الأمريكي حول سورية وكذلك حول إيران التي تمثل الأولوية الأخرى للدبلوماسية السعودية. ولكن إذا كانت الدولتان متفقتان على الهدف، فإن الخلافات تظهر حول وسائل تحقيقه. في الوقت الذي تُعلن فيه السعودية أنها تؤيد تسليح المتمردين ـ ومن ضمنهم الإسلاميين الذين استولوا مؤخراً على مركز قيادة الجيش السوري الحر ـ ، فإن فرنسا أكثر تردداً بكثير، وتتهم باريس الرياض بصوت منخفض أحياناً بأنها تقوم بـ "رهان مزدوج" عبر مساعدة المعتدلين في الجيش السوري الحر والراديكاليين السلفيين الذين يتقدمون في سورية بالوقت نفسه. يتساءل قلة من المراقبين القلقين للملف السوري: إلى أين ستصل الصواريخ المضادة للدبابات التي حصلت عليها السعودية مؤخراً من الولايات المتحدة، إذا لم تكن إلى المتمردين السوريين؟ أكدت السعودية مؤخراً أنها ستتحرك في سورية مع أو بدون الدعم الخارجي.
     فيما يتعلق بلبنان التي يواجه بشكل مباشر تبعات الحرب لدى جاره، وهذا ما تؤكده عملية الاغتيال يوم الجمعة 27 كانون الأول لأحد المقربين من الزعيم السني سعد الحريري، يعمل الشريكان الفرنسي والسعودي من أجل إنهاء حالة الفراغ الدستوري المتمثل بعدم وجود حكومة منذ ستة أشهر. من أجل تحقيق هذه الغاية، تنوي باريس والرياض تعزيز إمكانيات الجيش اللبناني. ومن هنا يأتي القرار السعودي ـ الذي سيعلن عنه خلال الزيارة ـ بتمويل الأسلحة التي ستزودها فرنسا إلى القوات المسلحة اللبنانية باعتبارها الوحيدة القادرة على الحفاظ على وحدة هذا البلد الذي يزداد فيه الانقسام الطائفي بسبب انخراط حزب الله الشيعي إلى جانب دمشق، وانخراط الراديكاليين السنة إلى جانب المتمردين السوريين. بدأ الرئيس الفرنسي بالاتصال مع رئيس الجمهورية اللبنانية ميشيل سليمان من أجل "تحديد" احتياجات القوات المسلحة اللبنانية.
     هناك اتفاق آخر منتظر خلال هذه الزيارة، وهو يتعلق بالاستثمارات السعودية في فرنسا. تُشير معلوماتنا إلى أن فرانسوا هولاند كلف وزير خارجيته لوران فابيوس باستقبال وزير المالية السعودي "خلال فترة قريبة جداً" من أجل "تحديد صيغة" الاستثمارات السعودية في فرنسا.
     ما زال هناك غموض يخيم على الزيارة، ويتعلق بالتوقيع على عقد هام جداً اسمه MK3 للدفاع الجوي السعودي لصالح الشركة الفرنسية تاليس Thalès. بدأت المفاوضات حول هذا العقد منذ أربع سنوات، وتبلغ قيمته الإجمالية حوالي خمسة مليارات يورو، وقامت الرياض بالتوقيع عليه بالأحرف الأولى، ولكنها ما زالت بانتظار توقيع الملك عبد الله. تطرق فرانسوا هولاند إلى هذا العقد يومي 16 و17 كانون الأول مع رئيس الديوان الملكي خالد التويجري الذي جاء إلى الإليزيه للتحضير للزيارة. في اليوم التالي، حرص رئيس الجمهورية على الإصرار عليه في رسالة وجهها إلى الملك عبد الله، قال فيها: "أتمنى لفت انتباهكم إلى أمر يكتسي أهمية خاصة من وجهة نظري. إنه مشروع MK3 المتعلق بالدفاع الجوي. إن هذا الاتفاق جاهز للتوقيع عليه، إذا أردتم ذلك. نظراً لانخراطنا المشترك من أجل السلام والأمن في الشرق الأوسط، إن التوقيع على هذا الاتفاق سيكون دليلاً واضحاً على الأهمية التي نوليها معاً لتعاوننا الثنائي. لهذا السبب، سأكون ممتناً جداً للقرار الذي يمكن اتخاذه في هذا الصدد".
     يبقى أنه، عشية هذه الزيارة، لا شيء يدل على أنه سيتم التوقيع على عقد MK3. بل على العكس،  تُشير معلوماتنا إلى أنه تم سحب هذا الموضوع من المحادثات بين عبد الله وهولاند. قال مصدر فرنسي مُقرب من الملف متأسفاً: "لا نعرف أين تكمن المشكلة. هل هي وزارة الدفاع؟ هل تم إطلاع الملك على الموضوع؟ بعد الضغوط الفرنسية للحصول على اتفاق أكثر قسوة حول الملف النووي الإيراني، الأمر الذي أرضى الرياض، بإمكان السعوديين رد الجميل إلينا".