الصفحات

الاثنين، 16 كانون الأول، 2013

(اختطاف أيقونة الثورة السورية)

صحيفة اللوموند 14 كانون الأول 2013 بقلم بنجامان بارت Benjamin Barthe

    كانت المحامية رزان زيتونة (36 عاماً) إحدى أهم ملهمي التمرد السوري وأكثرهم عناداً وفصاحة منذ بداية المظاهرات الأولى ضد الأسد بتاريخ 15 آذار 2011 وحتى يوم اختطافها من قبل رجال ملثمين في ضواحي دمشق. كانت المحرك الأساسي والضمير الأخلاقي من أجل الحفاظ على المطالب الأولية لهذه الثورة مهما كلف الثمن: الكرامة والحرية وبناء ديموقراطية تعددية تشمل جميع الطوائف. كان ذلك حتى يوم الثلاثاء المشؤوم 10 كانون الأول عندما دخل مجهولون إلى المكان الذي تلجأ إليه في دوما التي تقع تحت سيطرة التمرد المسلح في الغوطة الشرقية. قام المهاجمون أولاً بتخريب جميع المعدات الموجودة في المكان، ثم أخذوها عنوة مع زوجها وائل حمادة واثنين من رفاقها من الكفاح هما: سميرة الخليل وناظم الحمادي إلى جهة مجهولة دون المطالبة بأي شيء.
     كما هو الحال بالنسبة لاعتقال المدافع عن حقوق الإنسان مازن درويش في شهر شباط عام 2012، يمثل اختفاء رزان زيتونة ضربة قوية جداً للتيار المدني والديموقراطي الذي كان أصل التمرد ضد الأسد. إنها رمز للتهميش الحتمي لهذا التيار تحت تأثير قمع النظام وتسليح حركة  التمرد وصعود قوة المجموعات الإسلامية. أكد أحد المقربين منها داخل المجلس الوطني السوري جابر زين Jaber Zaien الذي يتنقل بين استانبول واستوكهولم قائلاً: "رزان هي الأيقونة الحقيقية للثورة، إنها إحدى آخر الذين يحملون الشعلة الأصلية للتمرد. نشعر بحيرة كبيرة بسبب اختفائها من منطقة واقعة تحت سيطرة المتمردين، لقد عرفت كيف تهرب من رقابة النظام خلال عدة أشهر عندما كانت تقيم في دمشق". كان هذه الإمرأة الشابة تفاجىء محاوريها بقوة قناعتها، قال السفير الفرنسي السابق في دمشق إيريك شوفالييه الذي إلتقى بها سراً عدة مرات قبل استدعائه إلى باريس في شهر آذار 2012: "يخفي مظهرها الضعيف كتلة من التصميم والشجاعة وإرادة صلبة في خدمة الثورة، الأمر الذي يفسر رفضها الدائم للذهاب خارج سورية".
     أدان المجلس الثوري في دوما في بيان له بعد عدة ساعات من اختطافها "عملاً خائناً وجباناً يشبه أعمال النظام السيئة"، دون أن يذكر أي اسم أو منظمة. ولكن لجان التنسيق المحلية تتحدث عن اسم زهران علوش رئيس كتيبة لواء الإسلام السلفية باعتبارها المجموعة المسلحة الأكثر قوة في دوما. تم إطلاق عيارات نارية في شهر أيلول بالقرب من مكتب المحامية الشابة الذي يضم مركز توثيق الانتهاكات، وهو منظمة غير حكومية متخصصة في إحصاء أعمال القمع. تم تعليق إعلان على باب مكتبها يمهلها ثلاثة أيام لمغادرته مع زملائها. لقد شاهدوا في هذا التحذير يد بعض المتعصبين المحليين الغاضبين بسبب تجرؤ مركز توثيق الانتهاكات على الإشارة إلى أعمال الترهيب المرتكبة من قبل المتمردين، أو أنه مجرد انزعاج من وجود عقول حرة ومستقلة عن الكتائب والألوية المسلحة التي جعلت من دوما معقلها. قال الباحث السياسي اللبناني زياد ماجد الذي يؤيد الثورة السورية: "هناك عقلية السيطرة داخل هذه المجموعات، وكانت رزان خارج السيطرة".
     نفى زهران علوش فوراً أي تورط للواء الإسلام في عملية الخطف. ولكن كلامه لم يقنع أولئك الذين يعرفون أن هذا الجيش الصغير المؤلف من 25.000 رجل هو الذي يحاصر الغوطة ويقاوم ضد القوات النظامية في الوقت الحالي. إذا كان الهجوم على مركز توثيق الانتهاكات عملية معزولة، فإنه من المحتمل الإفراج بسرعة عن رزان زيتونة ورفاقها. إذاً، يبقى هناك احتمالان: الأول هو عملية تصفية أعدتها عناصر تابعة للنظام بهدف إسكات هذا الصوت المتمرد الذي يناقض الدعاية الإعلامية الهادفة إلى إظهار الثورة بأنها مؤامرة طائفية ودموية. الاحتمال الثاني هو عملية انتقامية أعدتها مجموعة راديكالية في المقاومة بهدف إسكات هذه المجموعة من المزعجين أيضاً. قال جابر زين: "في جميع الأحوال، يقع على عاتق لواء الإسلام إيضاح هذه القضية والعثور على رزان وزوجها وشريكيها".
     إن السلفيين مدينون بذلك إلى رزان الذي كانت في سنوات عام 2000 إحدى المحامين النادرين الذين دافعوا عن السجناء السياسيين ولاسيما الإسلاميين منهم. صحيح أنها لم تربح أية دعوى في هذه القضايا، ولكن ذلك لم يردعها عن تأسيس الجمعية السورية لحقوق الإنسان مع هيثم المالح. تعمل رزان من أجل فتح سجون النظام الدكتاتوري الذي أغلقها بسرعة بعد ربيع دمشق الذي بدأ مع وصول بشار الأسد إلى السلطة.
     عندما بدأت الثورة، قامت رزان بإنشاء مكاتب التنسيق المحلية التي تمثل شبكة من الناشطين الذين كانوا أهم العوامل الأساسية في التعبئة الشعبية خلال الأشهر الأولى. سمح لها هذا الانخراط بالحصول على جائزة ساخاروف لحرية التفكير، ومنحها البرلمان الأوروبي هذه الجائرة بغيابها في شهر تشرين الأول 2011. تراجع المتظاهرون أمام نيران القناصة، وتبنت مكاتب التنسيق المحلية دوراً إنسانياً أكثر فأكثر. قامت فرنسا عبر سفيرها في دمشق بإعطاء هذه المكاتب مئات آلاف اليوروات التي تحولت فوراً إلى مساعدة غذائية. كما تم إيصال طن واحد من الأدوية عبر عدة عمليات منظمة في الليل دون معرفة النظام.
     شعرت رزان بالإرهاق من حياة الهروب قبل عدة أشهر، وانتقلت للإقامة في دوما مع زوجها. كان عملهما يتوزع بين إحصاء ضحايا النزاع و إدارة ورشات العمل التي تؤمن بعض المال لمئات النساء. أرسلت قبل عدة أيام فيديو إلى الرابطة الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، ظهرت فيه محنية الظهر وبدت عليها علائم التعب كما لو أنه طغى عليها ملل كبير، وقالت: "كيف تفسرون لأحد الأشخاص أن طفله لم يأكل بيضة أو يشرح الحليب منذ عدة أشهر؟" وذلك في إشارة إلى الحصار الذي يخنق الغوطة منذ عدة أشهر. كما قالت أن ثلاثة أو أربعة أشخاص يموتون يومياً في دوما تحت قصف الجيش، ولكنها أضافت مع ابتسامة حزينة أن هذا المصير أفضل من "الموت البطيء والشاق" الذي ينتظر جميع المقاومين في الغوطة بسبب حصار الجيش.