الصفحات

الجمعة، 27 كانون الأول، 2013

(قصف مستمر يجتاح حلب)

صحيفة الليبراسيون 27 كانون الأول 2013 بقلم هالة قضماني

     تشبه قائمة الطبيب ك الطلب المقدم إلى بابا نويل: "1ـ  إبر لحقن الدم، 2 ـ جبصين، 3 ـ كمادات، 4 ـ رباطات لاصقة، 5 ـ مواد مخدرة، 6 ـ قفازات جراحية، الخ". تتضمن القائمة 25 بنداً باعتبارهم الأكثر إلحاحاً، وتنتهي بالملاحظة التالية: "بالإضافة إلى ذلك، لا بد من  الوقود لسيارات الإسعاف والفيول للتدفئة". هذا الطبيب الجراح الشاب هو عضو في الاتحاد الطبي الحر في حلب وضواحيها، ويقوم بإدارة حوالي ثلاثين مستشفي ميداني، ويرسل قائمة "الاحتياجات الأكثر إلحاحاً" إلى نقاط الاتصال عبر السكايب كما لو أنها زجاجة في البحر.
     أدى وابل النيران التي تنهال منذ أكثر من عشرة أيام على الأحياء الواقعة تحت سيطرة التمرد في حلب إلى مقتل 422 شخصاً منهم "90 % من المدنيين" حسب الطبيب ك. أكدت وكالة الأنباء الرسمية سانا غداة الإدانة الأمريكية "للهجمات الجوية التي شنتها القوات الحكومية السورية ضد المدنيين" بقولها: "بالنسبة للمناطق المدنية التي تحدث عنها الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، لا يوجد فيها إلا بعض المجموعات من السعوديين والقطريين والشيشان". كما أكد نظام الأسد على رسالة الحرب ضد الجهاديين التي ما زالت تسمح له بالإفلات من العقاب الدولي، مواصلاً "مجازره بالبراميل" كما وصفها أحد مواقع المعارضة على الأنترنت. سقط 136 من هذه الحاويات المعدنية التي تشبه سخانات المياه المعبأة بالمتفجرات على حلب خلال فترة أسبوع، بالإضافة إلى القذائف. قال أحد عمال الإغاثة عبر السكايب: "لا نستطيع انتشال الجثث بكاملها أبداً بعد القصف، حتى لو حاولنا تجميع أشلائها في الأنقاض. عندما تُلقي الطائرة البرميل الأول على أحد الأحياء، يركض الناس هاربين، ولكنهم يعودون بسرعة في محاولة للعثور على بعض الناجين. ولكن الطائرة تعود لتقصف المكان نفسه لقتل بعض الناجين وأولئك الذين جاؤوا لتقديم الإغاثة".
     تلقى حي السكري الشعبي ذو الكثافة السكانية العالية في جنوب حلب الحصة الأكبر من القصف الدامي يوم الثلاثاء 24 كانون الأول. شنت الطائرات ست غارات على المنازل والمحلات التجارية والمدارس، وأدت إلى مقتل 19 شخصاً منهم العديد من الأطفال خلال عدة ساعات. نشرت محطات الأخبار الفضائية العربية والدولية صور الآباء الحزينين وهم يحملون جثثاً صغيرة ملطخة بالدم. كما امتلأت صفحات الناشطين بصورة الوجه المشرق لطفل عمره عشرة سنوات تقريباً بعد عثوره على أخته الصغيرة مع أحد عمال الإغاثة، مع إضافة التعليق التالي: "هؤلاء هم الإرهابيون الذين استهدفهم طيران بشار الأسد".
     إن التفريق بين الأهداف العسكرية والمدنية لا يعني شيئاً كثيراً في مدينة حلب التي يفصلها خط الجبهة المتحرك من شرقها إلى غربها مع بعض التغيرات القليلة منذ صيف عام 2012، وتجري المعارك فيها من شارع إلى شارع ومن بناء لآخر. تُقيم المجموعات المسلحة بين السكان في النصف الجنوبي ـ الشرقي الذي يسيطر عليه المتمردون في حلب،  في حين تتواجد قوات النظام في المستشفيات والجوامع وحولتها إلى ثكنات عسكرية حقيقية. إن إحدى اكبر المعارك التي انتصر فيها المتمردون الأسبوع الماضي كانت معركة مستشفى الكندي الواقع على هضبة في شمال المدينة ويُطل على الطريق الإستراتيجي. أشار المتمردون إلى مقتل حوالي خمسين جندياً وعنصراً من الميلشيات النظامية خلال هذا الهجوم.
     تجري حالياً معركة في حي بستان القصر على طول خط المواجهة من أجل السيطرة على جامع حذيفة بن يمان الذي تحول أيضاً إلى قلعة محصنة للجيش. هل يكثف طيران بشار الأسد هجومه ضد أحياء حلب من أجل الانتقام للمحاولات الفاشلة على الأرض؟ قال أحد عمال الإغاثة: "لم نعد نسأل لماذا. يقول البعض أنه من أجل كسب بعض المواقع قبل مؤتمر جنيف، ويقول البعض الآخر أنه من أجل إفراغ المدينة من سكانها الذين يهربون بالآلاف باتجاه تركيا عند أول هدوء في المعركة".

     إن معاقبة سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة التمرد هي إستراتيجية غير مخفية للنظام السوري في حلب وفي أماكن أخرى. أظهر سلاح الجوع فعاليته في ضواحي دمشق عندما استطاع القضاء على المقاومة في المعضمية التي تعرضت للحصار والقصف من قبل القوات النظامية منذ عام. إن اتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه يوم الأربعاء 25 كانون الأول بين الطرفين ينص، رمزياً، على رفع العلم السوري الرسمي على صهاريج المياه مقابل السماح بدخول الطعام والمواد الطبية إلى المدينة. يجب على المتمردين أيضاً تسليم أسلحتهم الثقيلة في حال احترام الاتفاق، ولكن وقف إطلاق النار لم يستمر، واستؤنفت المعارك بعد ظهر يوم الخميس 26 كانون الأول بمبادرة من الجيش السوري كما يقول التمرد.