الصفحات

الخميس، 19 كانون الأول، 2013

(الدبلوماسية الفرنسية مجبرة على الغموض)

صحيفة اللوموند 19 كانون الأول 2013 بقلم ستيفاني لوبارس Stéphanie Le Bars

     لا يمر أسبوع بدون أن تتحدث سلطة دينية أو سياسية عبر العالم عن مصير الأقليات المسيحية في المشرق. قامت فرنسا بدورها بالحديث عن ذلك خلال الأسابيع الأخيرة بعد عدة أشهر من التحفظ النسبي. قام رئيس الجمهورية للمرة الأولى باستقبال الرئيس الجديد لمؤتمر أساقفة فرنسا المونسنيور جورج بونتييه Georges Pontier بتاريخ 7 تشرين الأول، وأعرب رئيس الجمهورية عن "قلقه حول مصير المسيحيين في المشرق وإرادة فرنسا في الوقوف إلى جانبهم". أكد رئيس الجمهورية موقفه خلال زيارته إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية في منتصف شهر تشرين الثاني قائلاً: "لا يوجد شيء أسوأ من الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يمكن أن يكون أرضاً لا يستطيع المسيحيون العيش فيها بسلام... من الناحية السكانية، من الواضح أنه يمكن اعتبار أن الديانة المسيحية لا مستقبل لها، ولكن وجودها مهم جداً من الناحية الثقافية والروحية والسياسية".
     قبل عدة أسابيع من ذلك، كان وزير الخارجية لوران فابيوس قد تحدث أمام برلمان المسيحيين في المشرق قائلاً: "إن المسيحيين ليسوا فقط مهددين، بل تتم ملاحقتهم وتصفيتهم. لا يمكن أن تقبل فرنسا بذلك. يجب علينا إسماع صوتنا في كل مرة يتم فيها ارتكاب عملية ترهيب". شاهدنا المثال الأخير في هذه السياسة في بداية شهر كانون الأول عندما أعربت فرنسا عن "قلقها" بعد عدة ساعات من اختطاف 12 راهبة وإجبارهن من قبل المتمردين على مغادرة كنيستهم في معلولا. ما زال الغموض سائداً حول مصيرهم حتى الآن.
     قال عضو المجلس المحلي في مدينة باريس وضواحيها عن حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية باتريك كرم Patrick Karam: "إن هذه الإدانات المستمرة هو ما نريده بالضبط". قام باتريك كرم مؤخراً بتأسيس لجنة تنسيق لمسيحيي المشرق المعرضين للخطر، ويعتبر أن هذه المبادرة "عملية لوبي غير سياسية". كما وجه انتقاداً لاذعاُ بقوله: "لا يتحرك الدبلوماسيون اليوم بشكل كافي، ويقومون أحياناً بالتقليل من أعمال العنف ضد المسيحيين معتبرين أن أهوال الحرب أصابت الجميع. هذا صحيح ولكن المسيحيين بالإضافة لذلك هم هدف الإسلاميين ـ الفاشيين"، وينسجم هذا الموقف مع موقف جزء من رجال الدين في المنطقة.
     بشكل إجمالي، هذه هي أيضاً مقاربة المونسينيور باسكال غولنيش Pascal Gollnisch  مدير مؤسسة المشرق (L'œuvre d'Orient)، وهي جمعية كاثوليكية تأسست في القرن التاسع عشر للدفاع عن المسيحيين في المشرق، الذي أكد قائلاً: "ربما لم يكن المسيحيون مستهدفين بشكل خاص في بداية النزاع في سورية. ولكن المجموعات السلفية اليوم ليست سورية بالضرورة، وهي تحلم بخلافة إسلامية كبيرة عابرة للحدود، وتقوم بمهاجمة القرى المسيحية"، وأكد أن المسيحيين لم يحصلوا على معلومات جديدة حول الأسقفين الاثنين والراهب المختطفين في سورية منذ شهري نيسان آب. هناك تحليل مختلف للناطق الرسمي باسم تجمع الأساقفة الأورثوذوكس في فرنسا كارول سابا Carol Saba الذي قال: "إن النزاع السوري ليس نزاعاً بين المسيحيين والمسلمين. يجب الكفاح من أجل حماية مفهوم المواطنة في دولة القانون بدلاً عن القتال لحماية الأقلية المسيحية".
     نظم معهد العلوم السياسية في باريس ندوة حول العلاقات بين "الأديان والسياسة الخارجية" بتاريخ 6 تشرين الثاني، تحدث لوران فابيوس في هذه الندوة قائلاً: "في سورية، يجري أحياناً استخدام المسيحيين كوسيلة، يعتقد البعض منهم أن النظام الحالي يشكل حماية فعالة لهم. ولكن النظام يستخدمهم لتحقيق مصلحته بدلاً من حمايتهم، ويستغل التهديد الجهادي لإثارة الاعتقاد بأنه يشكل حصناً في وجه الإرهاب، في حين أنه هو الذي أغرق بلده في الفوضى". ولكن المسؤولين المسيحيين معجبون باللهجة الحديثة للسلطات الفرنسية، لأن الاتصالات دائمة بين مسؤولي وزارة الخارجية الفرنسية وجمعيات الدفاع عن المسيحيين في المشرق على الرغم من التحليلات السياسية المختلفة أحياناً. عندما يقوم أحد بطاركة المشرق بزيارة باريس، يتم تنظيم لقاء مع أجهزة الدولة أو مع بعض أعضاء البرلمان "من أجل الاستعلام".
     تحافظ السفارة الفرنسية في الفاتيكان منذ وقت طويل على علاقات مستمرة مع دبلوماسيي وزارة الخارجية في الفاتيكان. أكد مارك فروماجيه Marc Fromager المسؤول في منظمة مساعدة الكنائس المحتاجة (Aide à l'Eglise en Detresse) التي تعمل على إدانة "اضطهاد المسيحيين" في العالم وتتمتع باعتراف الفاتيكان، قائلاً: "نقوم بدور هام على صعيد المعلومات حتى ولو كانت فرنسا تتابع الوضع الميداني جيداً. ولكننا نحن هنا أيضا ًمن أجل مساءلة الإستراتيجيات السياسية التي تبدو لنا مُحيّرة". إنه تلميح لما يحصل في سورية التي كانت خلال الأشهر الأخيرة مصدراً للكثير من الخلافات بين الدبلوماسية الفرنسية المؤيدة لتدخل عسكري بهدف إسقاط نظام بشار الأسد وبين العالم المسيحي. لأنه حتى لو كانت الكنيسة تسعى، تقليدياً، إلى الحفاظ على موقف سياسي "حيادي" من الناحية الرسمية بشكل يهدد بظهورها كأنها تدعم الحكومات القائمة، فإن هذا الموقف يتعرض للانتقاد بشكل منتظم من قبل بعض المسؤولين الدينيين. أكد المونسينيور غولنيش قائلا: "لا يمكننا إلا أن نأسف للمواقف السياسية المتخذة سواء كانت مع أو ضد، لأن المسيحيين يجب عليهم القيام بدور الوسيط". يبدو أن باتريك كرم لم يلتزم بالحيادية، واعتبر أنه كان يجب على فرنسا "وضع شروط لمساعدتها إلى مصر الإخوان المسلمين والحصول على ضمانات حول حقوق المسيحيين والمرأة". وقال مارك فروماجيه: "من جهتنا، قمنا بطرح الأسئلة حول التدخل العسكري في سورية والرهانات الجيوسياسية المخفية بخصوص عقود السلاح أو العقود التجارية وحول الغاز على سبيل المثال".
     كان البابا فرانسوا من جهته معارضاً بقوة للضربات العسكرية ضد سورية، ووجه رسالة إلى رؤساء قمة العشرين في سان بطرسبورغ في بداية شهر أيلول حول هذا الموضوع. قام بالفاتيكان أيضا بتنظيم صلاة عالمية من أجل مسيحيي الشرق، وترافق ذلك مع هذا الهجوم الدبلوماسي غير المسبوق منذ عدة سنوات في الفاتيكان. يعتقد البعض في الأوساط المسيحية أن هذه التدخلات أثرت في القرارات الفرنسية والأمريكية بالتخلي عن الضربات... ولكن بالنسبة للوران فابيوس، إن المشاركة في المسؤولية واضحة، وأكد في شهر تشرين الثاني قائلاً: "يقع على عاتق الشخصيات الدينية التأثير عبر سلطتهم الأخلاقية من أجل الحوار، ولاسيما عبر اتخاذ المواقف المشتركة والوساطات والعمل الميداني. ويقع على عاتق المسؤولين السياسيين البحث دون هوادة عن صيغ سياسية قادرة على ضمان التعايش السلمي الدائم".
     خلال السنوات الأخيرة، ظهرت خلافات أخرى في العلاقات بين بعض المسؤولين المسيحيين والدبلوماسيين الفرنسيين. حصل ذلك بشكل خاص خلال الاضطرابات في العراق عام 2008. تعهد وزير الخارجية الفرنسي آنذاك برنار كوشنير باستقبال حوالي 500 مسيحي عراقي، ولكن بعض الجمعيات انتقدت مثل هذا "التمييز الإيجابي"، بالإضافة إلى أن المسؤولين الدينيين معرفون بتحفظهم حول رؤية المسيحيين يتركون المنطقة. قال المونسينيور غولنيش: "لا يقع على عاتق جمهورية علمانية رعاية إحدى الطوائف. ما هي معايير اختيار هؤلاء الناس؟ سيؤدي ذلك إلى زيادة الشكوك بالفساد. إن إعطاء الأولوية لاستقبال المسيحيين لن يخدمهم حتى لو كان مسيحيو الشرق أصدقاءاً يتحدثون اللغة الفرنسية وينتمون إلى الفرانكوفونية. يعني ذلك أن الغرب يرعى المسيحيين. إن ما يُطلب من فرنسا هو الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية الدينية". يبدو أنه تم سماع النداءات الداعية إلى الحذر، واعترفت وزارة الخارجية الفرنسية أنه "لا مجال لتكرار عملية كوشنير" في النزاع السوري الحالي.
     بالمقابل، يبدو أنه هناك توافق بين وزارة الخارجية وبين ما تسميه السلطات "جمعيات النية الحسنة" لمواجهة الإشاعات التي تتداولها الشبكات المعروفة بإدانتها لـ "كره المسيحية". أكدت وزارة الخارجية الفرنسية قائلة: "يقوم بعض الناشطون بصب الزيت على النار. نحن نعرفهم. إن المسؤولين المسيحيين حذرون مثلنا تماماً". يؤكد المدافعون عن مسيحيي الشرق، حتى ولو أنهم ليسوا بمنأى عن التعرض للتضليل، أنهم يحذرون من بعض إشاعات "المجازر" والصور المزيفة وبعض المواقع أو الشخصيات "التي تقع بالمبالغة وتؤذي الرسالة الموجهة"، وقال المونسينيور غولنيش: "نجد عمليات التضليل في جميع الحروب، والجميع يعرف اليوم كيف يستخدم الأنترنت"، وأكد كونه "حذراً" تجاه المعلومات المنشورة، وتأسف قائلاً: "ولكننا نعتمد على الناس هناك، لأننا لا نستطيع الذهاب إليهم في أغلب الأحيان".
     قال أحد المسؤولين المسيحيين: "يجب الانتباه أيضاً من الأطراف التي تستغل هذا الملف لتحقيق مصالحها الخاصة. إن الدفاع عن مسيحيي الشرق يُشكل تجارة مفيدة لاتخاذ بعض المواقف في النقاشات العامة". فيما يتعلق بباتريك كرم، إنه يستبق الانتقادات ويدين بدوره "استغلال هذا الملف من قبل بعض التيارات في اليمين المتطرف التي تراها فرصة للهجوم على الطائفة المسلمة والإسلام بشكل عام". إنه برهان على أن ملف مسيحيي الشرق يتعلق بالسياسة والدبلوماسية و"الشؤون الدينية" البحتة.