الصفحات

الجمعة، 12 تموز، 2013

(انفجار العالم العربي)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 11 تموز 2013 ـ مقابلة مع وزير الثقافة اللبناني السابق ومدير مدرسة العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس غسان سلامة ـ أجرى المقابلة فرانسوا أرمانيه François Armanet وجيل أنكيتيل Gilles Anquetil

سؤال: أدت الحرب التي لا تنتهي في سورية إلى انتشار موجة الصدمة إلى جميع جيرانها، وتحولت إلى حرب طائفية بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط بأكمله. كيف تنظرون إلى الوضع في سورية اليوم؟
غسان سلامة: إذا لم تحصل معجزة في سورية (أي التوصل إلى حل تفاوضي)، فسوف تستمر المعارك عدة أشهر وربما عدة سنوات. لا يبدو أن أياً من الطرفين قادر على الانتصار عسكرياً، وإذا حصل ذلك، سيكون الثمن تدمير البلد بشكل كامل. بالنسبة للتمرد، هناك العديد من الدوافع القوية وعدم التنظيم. في الجهة الأخرى، هناك التصميم والدعم الخارجي الكبير وتنظيم أكبر. إن النزاع غير متوازن إطلاقاً. بالنسبة للسكان، إنه توازن الرعب، ولا يبدو أن هذا التوازن سيتغير قريباً. تُمثل هذه الحرب أيضاً نموذجاً لنزاعات القرن الواحد والعشرين البالغة التعقيد: بالإضافة إلى أنه تمرد أولي ضد الاستبداد، يُمثل هذا النزاع مواجهة بين المدينة وريفها، بين الحداثة التسلطية والتقاليد المُتجددة، بين هيمنة الجيش واستيقاظ المدنيين، وأخذ مؤخراً طابعاً طائفياً خطيراً. هذا البعد الأخير هو الذي حرّك الأطراف الأقليمية التي تورطت في النزاع. وهكذا شعرت إيران (الشيعية) أنها مرتبطة بالنظام الحاكم (ذي الأغلبية العلوية). لا تقوم ممالك الخليج بتمويل المعارضة من أجل إقامة الديموقراطية في سورية، بل بدافع التضامن الطائفي مع السنة على أمل الانتقام مما حصل في العراق، فهي تعتبر أن التدخل الأمريكي في العراق انتزع السلطة من السنة وأعطاها إلى الشيعة. تريد ممالك الخليج الآن أن ينقلب الوضع في سورية من أجل إعادة التوازن.
    ولكن البُعد البارز والحاسم في سورية الآن هو البُعد الإستراتيجي. أصبح هذا النزاع إشكالياً على صعيد إعادة توزيع السلطة في هذا الجزء من العالم. من الجانب الأمريكي، تم انتخاب أوباما للمرة الأولى للانسحاب من العراق، وتم انتخابه مرة ثانية للانسحاب من أفغانستان. إن الرئيس الأمريكي مُتردد جداً إزاء الانخراط في المستنقع السوري. فيما يتعلق بممالك الخليج، ليس لديها ما تُقدمه غير الأموال. بالمقابل، هناك صداقة سورية ـ إيرانية حميمة تتجاوز مجرد إقامة تحالف عادي. إنها نوع من العلاقة المتبادلة التي تسمح للأسد بالصمود وللإيرانيين بالطموح إلى دور القوة الإقليمية، وربما تكون قوة نووية، ضمن التوجه المعادي لإسرائيل، وما زال هذا التوجه قوياً. أخيراً، لاحظوا النشاط الروسي المدهش الذي تمتزج فيه آثار الحرب الباردة مع الرغبة شبه المعلنة بإهانة الغرب ومحاولة ملء الفراغ الإستراتيجي الذي أصبح كبيراً بسبب السلبية الأمريكية. إن الموقف الأمريكي الحذر الذي يقترب من النزعة الانعزالية، يفسح المجال أمام هيمنة الديناميكيات الإقليمية وقوى السوق، ويبتعد عن القيام بمغامرات عسكرية جديدة. بالمقابل، تلعب روسيا اللعبة الجيوسياسية التقليدية التي تُسرع إلى ملء الفراغ في حال وجوده خوفاً من قيام الآخرين (القوى المنافسة و/ أو التيارات الدينية التي تمتد حتى القوقاز) بملئه. إن واشنطن وموسكو لا تلعبان اللعبة نفسها.
سؤال: أدت موجة الصدمة السورية إلى توريط الدول المجاورة: الميليشيات الشيعية العراقية تدعم النظام، والميليشيات السنية تدعم التمرد. ينطبق الشيء نفسه على لبنان. ألا تحمل هذه النزعة الطائفية للنزاع أخطاراً كبيرة؟
غسان سلامة: تجازونا مرحلة التهديد، ووصلنا إلى مرحلة الاضطرابات. إن ما يحصل في سورية يُشبه الحروب الأهلية التي تتجاوز الهويات فيها الحدود القومية. من هنا تأتي الظاهرة الأولى المتعلقة بجذب الناس الذين جاؤوا من جميع أنحاء المنطقة لنجدة إخوانهم بالطائفة. بدأ ذلك في سورية مع وصول الجهاد السني العالمي لدعم المعارضة، ثم الميليشيات الشيعية القادمة من العراق ولبنان واليمن وحتى أفغانستان لنجدة النظام. ثم جاءت الظاهرة الثانية المتمثلة بانتقال العدوى عندما بدأ النزاع بزعزعة استقرار الدول المجاورة. لم تسمح هاتان الظاهرتان المتعاكستان (قوة جاذبة وقوة نابذة) بإفناء بعضهما البعض. انتشر النزاع السوري: إن اللبنانيين الذين قاتلوا في القصير، تابعوا معركتهم الصغيرة في صيدا وطرابلس بلبنان. في العراق، يتواجه الشيعة والسنة في بغداد. تعيش بلاد الرافدين حرباً أهلية خفية، باردة هنا، وساخنة هناك. وفي بعض الأيام، يتجاوز عدد القتلى في العراق عددهم في سورية.
سؤال: إن هذا العداء الشيعي ـ السني ليس جديداً، ولكن حدّته الجيوسياسية أصبحت متفجرة.
غسان سلامة: إن الحمّى الشيعية ـ السنية تشبه الحمّى المالطية التي ترتفع وتهبط، ويقوم رجال السياسة بالحضّ عليها بشكل كبير. عندما وصلت إلى بغداد عام 2003 قبل عشر سنوات بالضبط، اكتشفت فيها وجود عشرات ألاف الزيجات المختلطة بين الطوائف.  قام المجتمع العراقي باستبعاد ثيابه الطائفية خلال فترة نصف قرن من التحديث الاستبدادي، ثم سقط مرة أخرى بالحقد بعد سقوط النظام البعثي. نحن اليوم في ذروة الحمّى الطائفية بين الشيعة والسنة، ولكنني لا أراهن على أن الوضع سيبقى على حاله بعد عشر سنوات لأن درجة الحرارة ارتفعت كثيراً خلال السنوات الماضية لدرجة لا يمكن إلا أن تنخفض بعدها.
سؤال: هناك انطباع بأن لبنان يمكن أن ينفجر...
غسان سلامة: لن تتجه الأمور بالضرورة نحو التفاقم. اعتقدنا أن لبنان كان ضعيفاً لدرجة أن عدة أشهر من الحرب الأهلية في سورية ستؤدي إلى انفجاره. ولكن المفاجأة السارة لي كانت باكتشاف وجود ظواهر لامتصاص الصدمات، ولاسيما في المجتمعات التي مرّت بمثل هذه الحروب الأهلية، وحافظت على ذكرياتها المؤلمة، وأظهرت علائم مقاومة غير منتظرة دون أن تكون مُحصنة بشكل كامل. إن السياسة ليست عواطف فقط، بل مصالح أيضاً. إن لبنان الذي يقاوم قدر الإمكان يُقدم بعض الفائدة للقوى الإقليمية. يحتاج الكثير من الأطراف اليوم إلى النظام المصرفي اللبناني سواء بالنسبة لنظام دمشق أو معارضته. يحتاج الطرفان أيضاً إلى مطار وموانىء لبنان، بالإضافة إلى وسائل إعلامه. إن ذلك يدفع الأطراف المتحاربة إلى عدم الرغبة باجتياح الفوضى لهذا المكان المفتوح للاتصال مع العالم الخارجي. بالتأكيد هناك نقاط توتر دامية في لبنان، ولاسيما في المناطق التي يوجد فيها تداخل بين السكان العلويين والسنة في الشمال، وبين السنة والشيعة في بيروت والجنوب. ولكن هناك أيضاً مقاومة عميقة. باعتبار أن الأطراف المتحاربة يمكن أن تؤذي نفسها عبر إيذاء الآخر، فإن بلدي هو واحة مرتاحة البال وضعيفة وهشة جداً، ويمكن أن تنفجر بالتأكيد، ولكنها عرفت كيف تتجنب الأسوأ حتى الآن.
سؤال: بعد ثماني سنوات من الحرب بين العراق وإيران، أليس غريباً هذا التأثير المتبادل بين أعداء الماضي.
غسان سلامة: نعم. نحن مدينون بذلك بشكل كبير إلى جورج بوش الابن. لعب الإيرانيون لعبتهم بشكل جيد جداً منذ عشر سنوات. كانت إيران بلداً تختنق فيه الثورة، ويتمرد فيه المجتمع ضد حكومته. ثم سمحت أحداث 11 أيلول بإنعاشه في أفغانستان وآسيا الوسطى كقوة شبه محايدة بين تنظيم القاعدة والأمريكيين، وأعطاها إسقاط صدام حسين دفعة أكبر. إن الاستثمار الإيراني في حزب الله والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وحرب عام 2006 أعطت الجمهورية الإسلامية لمعاناً إضافياً. نجحت إيران بأن تصبح قوة إقليمية هامة، وساهم الأمريكيون بشكل كبير في بروزها (عن طريق لعب دور "الغبي المفيد" أكثر مما هو إستراتيجية ماكيافيلية)، وأصبحت إيران تُمثل مصدر قلق كبير بالنسبة لجيرانها. بالمقابل، نلاحظ وجود انكفاء غربي حقيقي لم يستطع أن يملأه حلفاء الغرب لوحدهم مع مصر المُعاقة وممالك الخليج التي تسعى للانتقام دون امتلاك أية وسيلة باستثناء الأموال. إن ذلك يُحقق الرهان الإيراني والروسي وربما رهانات القوى الآسيوية الصاعدة في المستقبل. تواجه الدول الغربية صعوبة في مواجهة هذا الرهان الجيوسياسي، لأنها وضعت نفسها في موقف ما بعد الحداثة الذي يعتبر أن الوسيلة العسكرية قد تراجعت أهميتها، وأن المجتمعات تتقدم بشكل طبيعي نحو الديموقراطية عن طريق تبنيها للقيم البورجوازية، وأن التجارة ستنجح في النهاية بتخفيف حدة الطباع وصنع السلام. إن كل ذلك يبدو وهماً على الأرض في أغلب الأحيان.
سؤال: إن أحد الأسئلة التي تطرح نفسها كثيراً على جان دانييل (مؤسس مجلة النوفيل أوبسرفاتور) هي مسألة وجود العالم العربي الذي شهد الكثير من الثورات: الحروب الصليبية والهيمنة العثمانية والنهضة العربية في القرن التاسع عشر والعروبة وأخيراً "الربيع العربي". هل هي نهاية العروبة أو حتى نهاية العالم العربي أيضاً؟
غسان سلامة: على الصعيد السياسي، بالتأكيد لا. الدول العربية مُنقسمة، بعضها غني جداً وبعضها الآخر فقير جداً، بعضها يدعم قيم الحداثة وبعضها الأخر متمسك بالتقاليد البالية. ولكن من الممكن أيضاً دعم فرضية أن العالم العربي في الحقيقة أصبح موجوداً اليوم أكثر من أي وقت مضى. هناك عمليات اندماجية غير رسمية أكثر نشاطاً من الدول التي فشلت مشاريعها للاندماج المؤسساتي. إن قطر مُنخرطة اليوم في سورية أكثر من فرنسا، والسعودية أكثر انخراطاً في العراق من بريطانيا. في هذه المنطقة من العالم التي كانت مُنفتحة في السابق على جميع الاختراقات الخارجية، أصبح دور القوى المحلية والإقليمية وعابرة الدول فيها أكبر بكثير من دور القوى الخارجية، ولاتقوم هذه القوى المحلية والإقليمية بدور إيجابي دوماً. إن تلفزيونات القنوات الفضائية في منطقة تتكلم اللغة نفسها إلى حد كبير، والبث السريع لوسائل الإعلام الجديدة، أعادت بناء عالم عربي جديد وشعبوي ومُضطرب، وذلك في الوقت الذي تتفاقم فيه العلاقات سوءاً بين الدول، وتتراجع فيه أهمية المؤسسات الإقليمية ابتداءاً من الجامعة العربية. إن تأثير الفنانين والكتاب وصنّاع الرأي لم يعد يقتصر على الصعيد المحلي، وهناك اتصالات متبادلة هائلة. يكفي أن يقوم زعيم سلفي في السعودية بإصدار فتوى على الأنترنت، لكي تنهال 300 ردة فعل مباشرة من المغرب وليبيا واليمن. في الحقيقة، نعيش اليوم اندماجاً عربياً مؤلماً ودامياً في منطقة أصبحت أكثر قبولاً بكثير للتغيير بالمقارنة مع الماضي. إن حرب قناة السويس غير ممكنة اليوم. إن الحرب المشابهة لها هو التدخل في العراق الذي كان فشلاً ذريعاً. هناك اندماج مالي أيضاً: عندما يتفاوض صندوق النقد الدولي بصعوبة مع مصر لإعطاء قرض بقيمة أربعة مليارات دولار، يقوم أمير قطر بمنح مصر خمسة مليارات فوراً. عندما تُعلن أوروبا أنها ليست بحاجة إلى المغتربين المغاربة، نجدهم في دبي والدوحة. هناك أيضاً عالم عربي آخر تحت الأرض، وبدأ يطفو على السطح، ويعطي ظاهرة تضامنية مُخيفة مثل الكتائب الإسلامية (الجهادية) على نمط الكتائب الشيوعية الدولية في سنوات الثلاثينيات. تتدرب هذه الكتائب على الحرب في أفغانستان ومالي وحالياً في سورية، ولن تختفي سريعاً.
سؤال: إن سيف ديموقليس الآخر على المنطقة هم اللاجئون السوريون. يبلغ عددهم مئات الآلاف في تركيا والأردن ولبنان والعراق.
غسان سلامة: إذا استخلصتم من ذلك أن العالم العربي في حالة اضطراب كبير في هذا الوقت، أنتم محقون. إن حدوده قابلة للاختراق، ويتم عبورها بحثاً عن العمل أو هرباً من حرب أهلية أو مع السلاح لنجدة "إخوانهم". الدول هي أبنية بشرية، أي هشة وقابلة للتغيير. من النادر أن تتفكك الدول بشكل هادىء كما حصل في تشيكوسلوفكيا. إذاً، من الممكن أن ينتهي ما نعيشه اليوم بولادة هياكل دول ستكون أكثر عدداً ـ أو أقل عدداً إذا حصلت ظواهر الاتصال الطائفي ـ من الدول الحالية. سنشهد أيضاً ليس فقط نهاية بعض الدول في صيغتها الحالية، بل أيضاً نهاية أساس النفوذ الغربي على هذه المنطقة، أي الاتفاقيات البريطانية ـ الفرنسية سايكس ـ بيكو عام 1916.
سؤال: هل من الممكن تصور تقسيم سورية إلى عدة كيانات طائفية؟
غسان سلامة: هذا ممكن ولكنه غير حتمي. لا أعتقد بالحاجة إلى وجود مؤامرة. يمكن أن يحصل ذلك عن طريق نوع من وقف إطلاق النار قد يستمر إلى الأبد كما هو الحال في قبرص. كان ذلك يُخيفني جداً قبل حوالي عشر سنوات، ولكن هذا الخوف تراجع اليوم. لأن بعض الدول التي تولد من عمليات التقسيم لديها علم ونشيد وطني، ولكنها غير قابلة للحياة وهي دول فاشلة حتى قبل بداية ولادتها. هناك حالياً حوالي خمسين دولة على هذا الشكل مثل جنوب السودان أو الصومال. إن فكرة إعادة صياغة الدول ليست مأساوية، وعلى سبيل المثال أصبح كردستان العراقي شبه دولة على أرض الواقع. إنها أسطورة من الحرب الباردة بأن تغيير الحدود هو مأساة لا يمكن تحمّلها. لقد مرت دول البلقان عبر هذا الطريق. إن إعطاء صورة مثالية للدولة ذات السيادة هو فكرة بالية. بالمقابل، إن الأمر المأساوي هو ألا يتم مثل هذا النوع من الميكانو العادي بشكل هادىء، وأن يتسبب بمقتل الآلاف.
سؤال: تعيش مصر ثورة سياسية جديدة في سياق أزمة اقتصادية هامة. ما هو الدور الذي سيقوم به الجيش بعد إبعاد الإخوان المسلمين عن السلطة؟
غسان سلامة: أصبح حتمياً أن يقوم الجيش بدور أكبر مما شاهدناه حتى الآن. بالنظر إلى الضعف الشامل للمؤسسات المدنية، لا يمكن الاستغناء عن الجيش إذا أردنا إعادة بناء هذه المؤسسات، أي إصلاح البرلمان والرئاسة والحكومة والشرطة التي تفتتت كثيراً بالإضافة إلى القليل من الحوار المتبادل بين الأقباط والمسلمين وتوفير ضمان فعلي وليس سلبي كما كان عليه الحال خلال السنة الماضية. إذاً، هل ازدات أهمية دور الجيش؟ نعم. هل سيقوم الجيش باستعادة السلطة؟ أشك بذلك. أعتقد أن الجيش لم يعد يملك الوسائل لتحقيق ذلك. قام الجيش بتضخيم دوره كضامن منذ سنتين، وشاهد انهيار دوره في الحكم. إن الجيش مُرشح لتقديم الضمانة وليس مُرشحاً للحكم. لن يقبل المصريون بحكومة عسكرية جديدة، ولكنهم يُطالبون بدور أكثر فعالية للجيش في إعادة وإصلاح السلطة المدنية.
     إن الأمر الأكثر أهمية هو أن المصريين أدركوا عدم كفاءة الإخوان المسلمين في الحكومة. يشعر المصريون بأنهم كانوا ضحية وهم، لقد اعتقدوا بأن الإخوان المسلمين يمكنهم تقديم بديل سياسي يتحلى بالمصداقية من أجل إنهاض البلد. في الوقت الحالي، هناك ثلاثة سيناريوهات سياسية ممكنة: عودة الجيش إلى السلطة، أو المواجهة الشاملة والدامية في الشارع بين الإخوان وخصومهم، أو أن يقوم الجيش بدور يشبه قليلاً دور الجيش التركي خلال السنوات التي سبقت وصول أردوغان، أي أن يكون ضامناً لعمل المؤسسات السياسية. تكمن مأساة الإخوان في أنهم لم يريدوا أو لم يعرفوا كيف يعثرون على حلفاء لهم، لأن ذلك كان سيفرض عليهم تقاسم السلطة. كان بإمكانهم اختيار الجيش، ولكنه كان سيضع حدوداً أمام تحويلهم للمجتمع. كان بإمكانهم التحالف مع القوى الليبرالية، ولكنها كانت ستطالب بإيقاف برنامجهم الاجتماعي والديني. كان بإمكانهم التحالف مع السلفيين، ولكنهم كانوا سيطالبون بجزء من السلطة يتناسب مع عددهم. كان بإمكانهم التحالف مع أنصار مبارك، ولكن ذلك كان سيُهدد إدعاءاتهم الأخلاقية. لقد فضّل الإخوان المسلمين أن يحكموا لوحدهم لأن ثقافتهم التنظيمية تكره التسوية. بهذا الشكل، قضى الإخوان المسلمين على العملية الانتقالية التي يمكن التوصل إليها معهم، ولكن لا يمكن التوصل إليها بدونهم أو ضدهم. أدى انهيار العملية الانتقالية إلى انقلاب 3 تموز الذي يفتح فصلاً جديداً في تاريخ ما زال بعيداً جداً عن الوصول إلى نهايته.