الصفحات

الاثنين، 8 تموز، 2013

(مازن درويش: "لا يوجد مُنتصر في الحرب، بل خاسرون فقط")

 صحيفة اللوموند 8 تموز 2013 بقلم مازن درويش

     مازن درويش (38 عاماً) هو محامي سوري، تعرّض للاعتقال في شهر شباط 2012، وهو اليوم في السجن المركزي بدمشق. حصل غيابياً في شهر حزيران على جائزة برونو كرايسكي Bruno Kreisky للدفاع عن حقوق الإنسان. كتب هذه الرسالة بتاريخ 10 حزيران، وتنفرد صحيفة اللوموند بنشرها.

     السادة الأعزاء أعضاء مؤسسة برونو كرايسكي، السيدات والسادة، أود أن أشكركم على حضوركم اليوم، وأتشرف بمنحكم لي جائزة تحمل اسم برونو كرايسكي (1911 ـ 1990)، هذه الجائزة التي حصلت عليها سابقاً بعض الشخصيات البارزة مثل نيلسون مانديلا وبنازير بوتو ولولا داسيلفا. لا توجد سعادة أكبر بالنسبة للسجين من إدراك أن العالم الخارجي لم ينساه. ولكن هذا الشعور بالسعادة هو ترف أخجل منه تجاه الدمار الذي يجتاح بلدي.
     يجب أن أعترف أنني أشعر بالحيرة منذ وقت طويل تجاه مسيرة حياة السيد كرايسكي. كيف استطاع رجل دولة بارز أن يدفع بلده نحو طريق الحياد، والتخلي عن نشوة السلطة بمبادرة شخصية منه؟ ثم أدركت في إحدى اللحظات أنه لا يمكن أن يكون هناك منتصر في الحرب، ولن يكون هناك إلا الخاسرين. إن أفضل شيء في الحرب هو نهايتها. لقد تعلمت من جميع ضحايا الحروب والقمع أن الطريق نحو الديموقراطية يفرض البقاء بعيداً عن التطرف والطغيان.
     الوضع في سورية أسوأ من أسوأ كوابيسنا، ولكن هل يجب علينا التخلي عن حق تغيير حياتنا اليومية؟ هل يجب علينا التخلي عن تطلعاتنا المشروعة إلى الحرية والكرامة والمواطنة؟ هل يجب علينا التخلي عن ذلك لأن هذه الشعارات تم استخدامها تارة كإيديولوجيات أو ذرائع، وتارة أخرى استخدمتها الأنظمة الاستبدادية أو المنظمات التي تلجأ للعنف؟ هل العالم العربي محكوم عليه باجترار تجاربه المؤلمة، هذه العملية التي يتزاوج فيها الطغيان والفساد، ولا تؤدي إلا إلى التطرف والعنف؟
     نعم، نحن نريد الحرية والكرامة والعدالة، ونحن نستحقها. ولكن هذه الحرية ليست حرية الموت تحت التعذيب أو الذبح في مجزرة، ولا الموت ضحية غارة جوية أو انفجار سيارة مفخخة. إنها حرية العيش في مجتمع مبني على مشاركة المواطن وإمكانية التوصل إلى توازن متناغم بين المبادىء العالمية لحقوق الإنسان وأساليب التفاعل الاجتماعي السائدة على الصعيد المحلي. لأنه بهذه الطريقة نستطيع إعادة بناء مكان للإنسان على الصعيد العالمي، وأن يعيش تجربة أخلاقية دون أن يستولي عليها أحد على حساب الآخرين.  
     أود توجيه رسالة إلى الكثير من الأشخاص عبر هذه الفرصة المتاحة أمامي بفضلكم، ولكن عددهم كبير جداً بالنسبة للوقت المتاح لي. أود أن أقول إلى زملائي الذين رافقوني في الاعتقال وإلى الذين واتاهم الحظ بعدم التعرض للاعتقال، أنني كنت فخوراً جداً بكم وتشرفت بالعمل معكم وتجسيد القليل من أحلامكم ومشاركة آلامكم. أقول إلى أصدقائي الذي يُثيرون إعجابي دوماً عبر إخلاصهم وتمسكهم بكل ما نؤمن به: لا تفقدوا إيمانكم حتى ولو اتهمكم أولئك الذين لا يملكون حجارة للبناء بأفظع الجرائم. أقول إلى عائلتي الرائعة: شكراً على صبركم وحبكم ودعمكم خلال كل هذه السنوات الصعبة. لا معنى لأي شيء بدونكم.
     أريد أن أقول إلى عناصر الأجهزة الأمنية الذين تحملوا مسؤولية "تأديبي" خلال عشرة أشهر، ولاسيما إلى أولئك الذين قاموا بهذه المهمة خلال الأيام الأولى من العيد، أنني حزين جداً من أجلنا. أتمنى لأطفالكم حياة سعيدة بدون خوف ولا تعذيب، وأعياداً مليئة بالفرح والحب التي سيتقاسمونها مع أطفالي إنانا وعداد.

     خسرت الكثير من الأصدقاء الأعزاء في دوامة هذه العنف المجنون. مات بعضهم، وجُرِح البعض الآخر أو تعرّضوا للاعتقال أو الخطف أو هربوا. من بينهم زميلي الدكتور أيهم غزول وصديقي حسن أحمد أزهري وقريبي الملازم أول علي درويش وأخي سامي عقيل وصديقي خليل معتوق. أنحني باحترام لذكراكم وإكباراً لعائلاتكم. لقد حبست دموعي خلال كل هذه الفترة لأنها لا تعادل شيئاً بالمقارنة مع أحزانكم. ولكن هذه الصرخة انطلقت من حنجرتي كنداء لكي نلتقي جميعاً تحت الشمس صارخين: "واحد، واحد، واحد/ الشعب السوري واحد/ الدم السوري واحد/ مستقبل سورية واحد".