الصفحات

الاثنين، 8 تموز، 2013

(الفشل المتوقع لمحمد مرسي)

صحيفة اللوموند 6 تموز 2013 بقلم الأستاذ في معهد العلوم السياسية ستيفان لاكروا Stéphane Lacroix

     كان من المفترض أن تكون لحظة الحقيقة بالنسبة للإخوان المسلمين، وتنفيذ برنامج انبعاثهم بعد عدة عقود في المعارضة. ولكنها كانت سنة مُرعبة في الحقيقة. كان يبدو أن محمد مرسي محكوم عليه بالفشل منذ وصوله إلى الرئاسة في شهر حزيران 2012. نجح في الانتخابات بأغلبية ضئيلة، ويعود سبب نجاحه إلى دعم اللحظة الأخيرة وبدون تحمّس من قبل أولئك الذين كانوا يرفضون عودة النظام السابق عبر خصمه في الدورة الثانية أحمد شفيق الذي كان آخر رئيس حكومة في عهد حسني مبارك.
     اكتشف محمد مرسي بسرعة أنه لا يُسيطر على أجهزة الدولة التي وصل إلى رئاستها. أكد  الجيش والشرطة والقضاء ووسائل الإعلام والأجهزة الإدارية وجودها كمعاقل لمقاومة سلطة الإخوان المسلمين، وذلك منذ الأشهر الأولى التي أعقبت وصول محمد مرسي إلى الرئاسة. بدأ الإخوان حرباً حقيقية منذ شهر آب 2012 لاستعادة السيطرة على المؤسسات. لاقت مبادرة الإخوان الأولى الاستحسان عندما قاموا بإعطاء الرئيس الصلاحيات السياسية التي كان الجيش يتمتع بها، ولكن مبادراتهم اللاحقة أثارت معارضة متزايدة عندما قاموا بوضع رجالهم في مواقع إستراتيجية داخل مؤسسات الدولة.
     ظهرت رؤيتان متعارضتان منذ ذلك الوقت، واستمر ذلك حتى سقوط محمد مرسي: الأولى هي وجهة نظر الإخوان الذي يبررون هذه التعيينات بمقتضيات الضرورة، واعتبروا أنه من الطبيعي في نظام ديموقراطي أن يمتلك الحزب الفائز في الانتخابات الوسائل اللازمة لتطبيق سياسته. الثانية هي وجهة النظر المعارضين الذين كانوا يحتجون ضد "أخونة الدولة".
     اتخذ محمد مرسي قراراً حاسماً في شهر تشرين الثاني 2012 عندما أصدر مرسوماً جمهورياً يضع قرارات السلطة التنفيذية خارج سلطة الجهاز القضائي الذي كان يحتج على قراراتها كلما سنحت له الفرصة. كان ذلك بداية الدوامة القاتلة. كان الليبراليون آخر من تخلّى عن دعم الإخوان، وأدانوا الانحرافات السلطوية. ثم توحدت المعارضة للمرة الأولى داخل جبهة الإنقاذ الوطني، ودعت إلى مظاهرات حاشدة.
     بالمقابل، أعطى الإخوان انطباعاً زائفاً بأنهم يعتمدون على المعسكر الإسلامي، ودعوا إلى الدفاع عن المشروع الإسلامي المهدد. في هذا السياق، استفاد الإخوان من قيام القوى الليبرالية بمقاطعة المناقشات الدستورية من أجل تبني دستور يفتح الطريق أمام الأسلمة التدريجية للقانون المصري. كانت هذه المناورة تهدف بشكل أساسي إلى ترسيخ وحدة المعسكر الإسلامي، ولكنها فشلت بسرعة. انضم السلفيون في حزب النور إلى المعارضة منذ شهر كانون الثاني 2012، إنهم القوة السياسية الثانية في مصر والخصوم التاريخيون للإخوان. أدان السلفيون بدورهم نوايا محمد مرسي بالهيمنة، وانتقدوا الإخوان المسلمين لأنهم اغتنموا وصولهم إلى الرئاسة لتوسيع سيطرتهم على الجوامع، بالإضافة إلى انتقادات أخرى.
     انطوى الإخوان على نفسهم عندما أصبحوا لوحدهم في المقدمة ضد الجميع. أخذ هذا الانطواء منحى مأساوياً عندما بدأ الإخوان يشعرون بالارتياب تجاه الشرطة، وقيامهم بإرسال ناشطيهم لحماية القصر الرئاسي، الأمر الذي أدى إلى اندلاع أولى المواجهات الدامية بين الإخوان والمعارضين. بالنسبة للإخوان، إن السبب الوحيد لكل هذه العراقيل هو مناورات "الفلول"، التابعين للنظام السابق، الذين قرروا استعادة السيطرة على زمام الأمور. من أجل مواجهة هذه الأزمة، تركز عمل محمد مرسي بشكل أساسي على التفاوض بدون جدوى من أجل عودة حفنة من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق مثل حسين سالم، الممول السابق لعائلة مبارك.
     إن هذه القراءة المجتزأة جداً لواقع أكثر تعقيداً بكثير، منعت الإخوان من إدراك حجم الغضب الحقيقي الناجم عن سياسة الرئيس مرسي والوضع الاقتصادي والأمني المتدهور جداً، وظهر ذلك عبر الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي ونقص البنزين والجرائم المتزايدة. تشبث الإخوان بإنكارهم للأزمة، ولم يأخذوا على محمل الجد جبهة الإنقاذ الوطني أو حملة "التمرد" التي وُلدت في شهر أيار 2013. كانت هذه الحملة تطمح إلى جمع ملايين التواقيع للمطالبة باستقالة الرئيس، بالإضافة إلى تنظيم مظاهرة ضخمة بتاريخ 30 حزيران، أي الذكرى الأولى لاستلام محمد مرسي لمهمامه. كان كبار مسؤولي الإخوان قبل عدة أيام من المظاهرة التي أدت إلى سقوطهم، يؤكدون ثقتهم بأن "30 حزيران سيكون يوماً كبقية الأيام".
     تحركت الآلية المعارضة للإخوان بكاملها في تاريخ 30 حزيران: امتلأت الشوارع بملايين الغاضبين، ولم تتدخل الشرطة، ورفض السلفيون تقديم دعمهم للرئيس مرسي بعد أن تفاوضوا سرّاً مع المعارضين، وانتهى الأمر بتدخل الجيش لكي يعلن انتهاء اللعبة. كان محمد مرسي مُقتنعاً حتى النهاية بأنه ضحية مؤامرة، وواثقاً بشرعيته، ورفض أية تسوية، الأمر الذي عرقل أي مخرج مشرف للإخوان من هذه الأزمة.

     يبدو اليوم أن كل ذلك جعل الإخوان في موقف ضعيف جداً. لقد سقط رئيسهم، وتعرض العديد من قادتهم للاعتقال، ولا يتردد بعض معارضيهم في المطالبة بإسقاطهم تحت تأثير نشوة الانتصار. سيكون أمراً مأساوياً أن ينتصر منطق الانتقام خلال الفترة الانتقالية الجديدة في مصر. حتى ولو أصبح الإخوان أقلية، يبلغ عدد ناشطيهم أكثر من مليون ناشط، وانضم أغلبهم إلى الإخوان في عمر مبكر، ولا يفكرون إطلاقاً بالتخلي عن هذه الحركة. ما زال الإخوان على الرغم من أخطائهم يحظون بدعم سلبي من قبل ملايين المصريين. بهذا المعنى، لا يمكن اليوم، كما كان الحال في الماضي، بناء مصر ديموقراطية ومستقرة بدون الإخوان.