الصفحات

الجمعة، 26 تموز، 2013

(عندما كان بشار طفلاً خجولاً...)

مجلة اللوبوان الأسبوعية 25 تموز 2013 بقلم كلير مينيال Claire Meynial

     لا يعرف ماذا يفعل بيديه حتى عندما يكون جالساً. وضع يده الأولى على ركبته فاتحاً أصابعه، وتتجاوز يده الأخرى مسند الكرسي. يبدو على الزعيم السوري دوماً هيئة المراهقين، بشاربه الصغير ورقبته الطويلة التي تنتهي برأس مائل قليلاً باتجاه صحفيي صحيفة الثورة الرسمية التي تحتفل بالذكرى الخمسين لتأسيسها بتاريخ 11 تموز. على الرغم من ذلك، إن بشار الأسد واثق بنفسه، وقال: "إذا لم أكن متفائلاً، لن أستطيع المقاومة إلى جانب الشعب السوري. ولو لم يكن الشعب السوري متفائلاً، لما استطاع المقاومة... إذاً، يجب الاعتقاد أنه بدون التفاؤل، لن يكون هناك إيمان، وبدون الإيمان لن يكون هناك تفاؤل". إنها طبيعة بشار الخاصة التي تتسم بهدوء مذهل بالنسبة لأي شخص تابع الأحداث منذ سنتين: أكثر من مئة ألف قتيل و1.8 مليون لاجىء وشعب ممزق وخائف من الإسلاميين، واستخدم غاز الساران ضد شعبه... ولكن بشار ما زال يتنفس. استعاد الجيش تقدمه على الأرض في فصل الربيع بمساعدة الميليشيا الشيعية اللبنانية حزب الله. يظن أحد المقربين منه سابقاً "أنه مطمئن، وربما يلعب التنس في هذه اللحظة. إنه لا يلعب إلا بجهة اليمين، ولكنه يحب ذلك. أو ربما يشاهد فيلماً. لماذا يقلق؟ إن حزب الله يحارب من أجله". كيف أصبح بشار الأسد دكتاتوراً يتمتع مع زوجته الجميلة بمشاهدة الأفلام التي تطغى على ضجيج المعارك في قصره الدمشقي؟ إنها قصة رجل جاءت به الصدفة إلى الحكم، وأصبح طاغياً باختياره.
     في البداية، كان حافظ، هذا الأب الغائب ولكن القاسي. كان مقدراً للإبن البكر اللامع باسل أن يخلف والده. كان الأب القوي يعطي كل شيء إلى ابنته المدللة بشرى ذات الشخصية القوية مثل بقية الفتيات العلويات. الطفل الثالث هو بشار، وبعده ماهر العنيف مثل باسل، ثم مجد الذي كان مصاباً حتى موته عام 2009 بمرض عقلي بالتأكيد، ولكن لا أحد يتجرأ على الحديث عنه. كان بشار يبحث عن مكانه. كانا منزوياً ومُرتبكاً لكونه ابن الرئيس. قال أحد السوريين الذين عرفوه: "في إحدى الرحلات المدرسية إلى الجولان،  كان عمره 13 عاماً. توقفت الحافلة على حاجز عسكري للحصول على إذن المرور. طلب منه رفاقه أن يتدخل، كان يكفي أن يكشف عن هويته. ولكنه بقي جالساً، ويديه على حقيبته المدرسية، قائلاً: أن الجنود يقومون بعملهم". إنه رزين، وبقي مخلصاً لبعض الأصدقاء أثناء دراسته التي لم تكن مُتميزة. قال أحد زملائه القدماء في الصف متنهداً: "لم يكن سيئاً، كان متوسطا في كل شيء. ولكن كيف يمكن معرفة ذلك؟ من هو الأستاذ الذي سيتجرأ على توجيه سؤال صعب أو إعطائه علامة ضعيفة؟". ولكنه تذكّر أن بشار في سن الخامسة عشر انتقل من الشعبة الأولى للمتفوقين في الثانوية الفرنسية بدمشق إلى الشعبة الثانية لأنه لم يكن يتمتع بالمستوى المطلوب. كان هذا الشاب الخجول يضع يده على فمه عندما يتكلم، لأنه كان معقداً من تأتأته وزأزأته التي لم يتخلص منها أبداً.
     كان باسل فارساً مشهوراً، ويشارك في الحفلات والمشاجرات مع الفتيات وسيارات الفيراري. أما بشار فكان يتحدث بصوت هادىء، وبقي مع صديقته الدرزية، ويركب سيارة بيجو 505. تم توزيع دور الدكتاتور المستقبلي، واختار الطب. بدأ دراسة اختصاص طب العيون في مستشفى تشرين العسكري، ثم ذهب إلى مستشفى Western Eye في لندن، وكان مرتاحاً لأن لا أحد يعرفه هناك. إلتقى مع فتاة سنية جميلة اسمها أسماء الأخرس في إحدى حفلات السفارة، إنها ابنه السكرتيرة الأولى في السفارة، وبدأت عملاً واعداً في مصرف للأعمال. ولكن حياة هذا الشاب في لندن انتهت بشكل مفاجىء بتاريخ 21 كانون الثاني 1994، عندما كان باسل يقود سيارة المرسيدس 500 كما لو أن قوانين الفيزياء يجب أن تخضع لإرادته، ولكن هذه السيارة تحولت إلى قبره بالقرب من مطار دمشق. أمضى بشار 15 شهراً في إنكلترا، كانت بمثابة جرعة أوكسجين، ولكنها لم تكن كافية للتأثر بما يسمى بالعادات الغربية التي ستخدع العالم بأسره.
     تابع في سورية تأهيلاً مكثفاً لمهنة الرئيس التي تنتظره. عهِد به حافظ إلى المخلصين له، ولاسيما محمد ناصيف خيربيك، أحد أعضاء الطائفة العلوية القوية ومدير الأمن الداخلي ثم مدير الأمن العام، الذي كان مسؤولاً عن توثيق العلاقات مع إيران. قال الباحث السياسي المختص بالشرق الأوسط خطار أبو دياب: "لم يكن من السهل ممارسة الحكم، والانفتاح على الولايات المتحدة مع البقاء إلى جانب روسيا، والحديث مع إيران وإسرائيل في الوقت نفسه". دخل بشار الأكاديمية العسكرية في حمص، وأصبح عقيداً عام 1999. كان شخصية مجهولة تماماً في بلده، ويجب تكوين صورة له. تم تكليف بعض المستشارين بهذه المهمة مثل أيمن عبد النور، أحد أعضاء حزب البعث. قال أيمن عبد النور الموجود حالياً في دبي: "كان الجميع معجباً بباسل، ولكن بشار يفتقد للكاريزما، ولم يكن رياضياً. قمنا بخلق الوسائل لتقديمه عبر: مهمة مكافحة الفساد والتكنولوجيات الجديدة والإصلاحات". أسس باسل الجمعية السورية للمعلوماتية عام 1989، وتم تعيين بشار رئيساً لها بشكل مفاجىء، وأصبح من المولعين بالتكنولوجيات المتطورة والحديثة. إن الطالب ليس لامعاً، ولكنه يعمل بجد. سلّمه حافظ الملف اللبناني الشائك والمُربح، هذا الملف الذي كان يحتكره نائب الرئيس عبد الحليم خدام، وتزدهر فيه أعمال التهريب. عندما مات حافظ في 10 حزيران عام 2000، بدأنا بالتعرف على الوريث الذي يسير خلف نعش والده في القرداحة. كان جاك شيراك الرئيس الغربي الوحيد موجوداً، وكذلك الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
     يجب الإسراع بالعمل، تم تغيير الدستور لتخفيض الحد الأدنى لسن الرئيس من أربعين إلى أربعة وثلاثين عاماً. تمت ترقيته إلى قائد للقوات المسلحة، وتم تعيينه أميناً عاماً لحزب البعث، واقترحه مجلس الشعب كرئيس، ثم حصل على 97.29 % من الأصوات في الاستفتاء الذي جرى بتاريخ 10 تموز 2010. وعد في خطابه الرئاسي بالديموقراطية والإصلاحات. تزوج سراً بتاريخ 31 كانون الأول 2012 بالأنيقة أسماء التي تمثل جزءاً هاماً من تدابير الدعاية الإعلامية. سمح بشار للمثقفين خلال ثمانية أشهر بالتعبير عن آرائهم عبر "ربيع دمشق" الذي انتهى بسرعة. كانت سورية تريد أن تأمل بإمكانية التنفس مستقبلاً. تركت مجموعة من التكنوقراط في الأربعين من عمرهم نيويورك ولندن وباريس للمشاركة في هذا التجديد الذي يبعث على الحماس بالنسبة لشعب نمنعه فجأة من طقوس عبادة الشخصية. قال المصور عمار عبد ربه: "في أحد محلات بيع السندويش العصرية، أظهر مالك المحل إلى بشار صورة لحافظ تحت صندوق المحاسبة. قال له بشار: كان عليك أن تضع صورة والدك الذي أسس هذا المكان. شعر الرجل بالذهول".
     لم تكن البدايات سهلة بالنسبة لبشار الذي تغاضى عن ظهوره في اللافتات إلى جانب حافظ وباسل مع عبارة: "قائدنا، مثلنا، أملنا". كان يجب عليه أن يفرض نفسه، على الرغم من أنه ورث هذا المكانة. لم تساعده عائلته التي تريد الحفاظ على مصالحها الخاصة، ولم يساعده "الحرس القديم" التي يتكون من القدماء والشباب المتمسكين بامتيازاتهم، ولم تساعده حكومته التي كان بعض أعضائها يطلق عليها اسم "بكالوريا ـ 3" ويقولون أنه يأخذ برأي آخر من يتحدث معه. أحس الشارع بذلك، وسخر منه، وأطلق عليه اسم "الزرافة". ولكنه كان يعمل على الرغم من ذلك. اقترح جاك شيراك عام 2003 مساعدته في تجديد الإدارة الحكومية وأرسل مستشارين اثنين. كان تنظيم الإدارة متأثراً بالاتحاد السوفييتي، أوصى جاك فورنييه Jacques Fournier وماري فرانسواز بيشتيل Marie-Françoise Bechtel بتبسيط الإدارة. أكدت ماري فرانسواز بيشتل قائلة: "في لقائنا الثاني، أخرج تقريرنا الذي وضع عليه ملاحظاته، وطرح أسئلة دقيقة". يعطي بشار الانطباع بأنه رجل يتردد بين الانفتاح الاقتصادي والسياسي، ويريد الإصلاح، ولكنه أخطأ بسذاجته. قال جاك فورنييه: "أكد بشار لنا أن حزب البعث كان يتخذ القرارات سابقاً، ولكنه هو الذي يتولى زمام الأمور من الآن فصاعداً". تم تطبيق إحدى الإجراءات المطلوبة المتعلقة بإنشاء الأمانة العامة للحكومة، ولكن المهمات اللاحقة لم تحظ بالاهتمام نفسه.
     بدأ الانفتاح الخجول ينغلق شيئاً فشيئاً. تعرّض مثقفو "ربيع دمشق" للاعتقال، ودفعوا ثمنه بسرعة. لا شك أن المنصب يُغيّر الرجل الذي يتأثر بالتملّق. قال المستشار السابق أيمن عبد النور: "ألقى بشار كلمة ناجحة في قمة الجامعة العربية عام 2003، بمساعدة القليل من الملاحظات المكتوبة. كان من السهل التفوق بالمقارنة مع زعماء من جيل آخر مثل مبارك والقذافي. قيل له أنه يتمتع بموهبة خارقة، الأمر الذي جعله يضطرب. لقد غيّر حركاته ومصطلحاته، كان يستخدم تعابير الخلافة، واعتقد أنه المهدي". إنها ألوهية غير منفصلة عن المظاهر المادية. اختار بشار النموذج الصيني، أي التجارة بدون الديموقراطية. ولكنه لم يستخدم الفوائد من أجل تخدير النزعات السياسية، بل من أجل إغناء عائلته وفي مقدمتهم رامي مخلوف الذي سيُصبح بعد فترة قصيرة الرجل المكروه في سورية، إنه يسيطر على الهواتف الجوالة والعقارات والمصارف والمنتجات الكمالية... اعتبرت الفايننشال تايمز عام 2011 أن رامي مخلوف يُسيطر على حوالي 60 % من اقتصاد سورية.
     استفادت هذه الإمبراطورية في بداياتها خلال العقد الأول من سنوات عام 2000 من التهريب مع لبنان. طلب بشار عشية الانتخابات الرئاسية اللبنانية تغيير دستور لبنان، الذي كان القاعدة الخلفية للضباط السوريين، من أجل تمديد ولاية إميل لحود بدلاً من المخاطرة بانتخاب رفيق الحريري الذي كان رئيس الوزراء آنذاك. أثار ذلك غضب رفيق الحريري الذي تم استدعاءه إلى دمشق في شهر آب 2004، وحصلت مشادة عنيفة بينه وبين بشار. لم ينس عبد الحليم خدام الذي لجأ اليوم إلى قصره الباريسي الفخم هذه المشادة، وقال: "استمر اللقاء أقل من ربع ساعة، ولكن الحريري خرج مصدوماً لدرجة أنه أنفه كان ينزف. قام وزير الداخلية غازي كنعان باستدعاء طبيب، وكان بشار يصرخ بأنه سيكسر لبنان على رأسه إذا عارضه". تعرض رفيق الحريري للاغتيال بتاريخ 14 شباط 2005، ولم يتوصل التحقيق الدولي إلى التأكد من تورطه المباشر، ولكن الجميع يُشير بأصابع الاتهام إلى بشار. غضب شيراك الصديق  الحميم للحريري، وعانت سورية من المهانة على الصعيد الدولية، واضطرت سورية إلى سحب قواتها من لبنان.
     كان ذلك منعطفاً هاماً بالنسبة لبشار. تعرض للإهانة، وأصبح طاغية متمسكاً بالسلطة في عمر الأربعين. استقال عبد الحليم خدام، وانتحر غازي كنعان في الوقت المناسب، وغادر التكنوقراط بالطائرة، وظهرت اللافتات التي تُمجد بالرئيس في الشوارع، تحت شعارات غريبة مثل: "كلنا معك". تم انتخاب بشار رئيساً مرة أخرى في استفتاء بنسبة 97.62 % في عام 2007، وذلك بعد حملة تعتمد على شعار "نحن نحبك". أشارت إحدى السوريات إلى أنه في هذا البلد "الذي يكفي فيه تعليق صورة لك مع الرئيس على السيارة لكي لا تتعرض للمخالفة"، انقطع اتصال بشار مع الواقع.
     فيما يتعلق بالعلاقات مع بقية دول العالم، كانت باردة جداً حتى انتخاب نيكولا ساركوزي الذي أعاد إدخاله في الرهانات. كان يأمل بفصله عن إيران، وأن يقوم بدور في عملية السلام مع إسرائيل، وضمه إلى الاتحاد من أجل المتوسط. قال وزير الخارجية الفرنسي آنذاك برنار كوشنير: "كانت فرنسا مُعجبة بالجانب العلماني فيه. بالتأكيد، كان فناناً بالكذب، ويؤكد بأنه لن يسمح بمرور الإرهابيين العراقيين، في حين كانت الجميع يعرف ذلك. كانت تبدو عليه البساطة مع ألبسته الرسمية المصنوعة لدى Savile Row، ولكنه كان صارماً جداً". جلس بشار على المنصة الرئاسية أثناء العيد الوطني الفرنسي بتاريخ 14 تموز 2008. لقد تغير من مبتدىء يشعر بالخوف إلى محترف بالعلاقات العامة، ويمدح ألبوم كارلا بروني في مقابلة مع إذاعة BFM الفرنسية، ثم أظهرته مجلة باري ماتش عام 2010 مع أسماء كـ "عاشقين في باريس". إن أول من اعتقد بذلك كان ساركوزي شخصياً، قال برنار كوشنير: "لقد حذرته، ولكنه كان يقول لي: إن من يتزوج مثل هذه الإمرأة، لا يمكن أن يكون قاتلاً". بالإضافة إلى جمالها، إن أسماء إمرأة لامعة وتنشط من أجل قضية المرأة.
     لم يتأثر السوريون كثيراً بالدعاية الإعلامية حول جمال أسماء. نزلوا إلى الشارع بتاريخ 15 آذار 2011 غاضبين من عودة أطفالهم من الاعتقال والتعذيب لأنهم كتبوا شعارات ضد بشار. رفض بشار أن يفهم. قال الباحث المختص بسورية ولبنان فابريس بالانش Fabrice Balanche ساخراً: "الصفقات التجارية مستمرة، واستأنف علاقاته مع الخارج، ويناديه أمير قطر بـ "أخي"، وهكذا تتم معاملة الدكتاتور!". ساهمت خصخصة البلد وانتشار الفساد في تزايد غنى بشار وعصابته لدرجة غير محتملة بالنسبة للشعب الذي دفع ثمن الانفتاح الاقتصادي. قال المعارض ورئيس حلقة الاقتصاديين العرب سمير عيطة: "إذا أضفنا تصفية مزارع الدولة، والهجرة الريفية، ووصول 1.5 مليون لاجىء عراقي، وتسونامي 350.000 شاب يصلون إلى سوق العمل سنوياً ولا ينجح إلا ستين ألفاً منه بالحصول على عمل، فإن الظروف أصبحت متوفرة لقيام ثورة حتى في بلد ديموقراطي!". ولكن سورية وأجهزتها الأمنية الخمسة ليست نظاماً ديموقراطياً. واجه بشار هذا الوضع كممثل عن الأقلية العلوية التي تشعر دوماً بأنها مهددة.
     يعرف بشار أنه سيخسر السلطة إذا وافق على الإصلاحات، واختار القمع بعد ثمانية أشهر من الاحتجاجات السلمية التي تطالب بالحرية والكرامة ورفع حالة الطوارىء المستمرة منذ عام 1963. قال معاون مدير مبادرة الإصلاح العربية Arab Reform Initiative سلام كواكبي: "لقد استعان بالآلة الأمنية، وأعاد الضباط القدماء الذي عملوا مع والده" وقاموا بتطبيق الأساليب القديمة. اعتبر أحد الدبلوماسيين أن الفتى الذي كان قابلاً للتأثر أصبح "جرافة إيديولوجية" لا تعاني من أي تناقض. بالمقابل، إنه يصغي للمستشارين الإيرانيين الخبراء بنظرية المؤامرة الخارجية. لاحظ سلام كواكبي قائلاً: "أحرز بشار بعض النقاط في المعركة الإعلامية. لقد وضع منذ البداية سيناريو الإسلاميين الراديكاليين، وتحقق ذلك. أفرج عن بعض المجاهدين في شهر أيلول 2011 من أجل تغيير طبيعة الاحتجاج، وأصبح لدى الغرب ذريعة الآن لكي لا يساعد الإرهابيين".
     اكتشف الغرب فجأة أن رجل السياسة المبتدىء أصبح خبيراً بالتلاعب، ويعرف كيف يُربك محاوره باختلافات ضبابية. قال أحد السوريين متأسفاً: "في عام 2011، طلب منه أحد أعضاء وفد الجامعة العربية أن يسحب دباباته من الشوارع. فأجابه: ماذا تقصدون تماماً بالشوارع؟ شوارع باتجاه واحد أم باتجاهين؟ شوارع مرصوفة أم معبدة؟ مع أو بدون رصيف؟ ثم قهقه ضاحكاً". إنه يُطبق هذا الأسلوب الرهيب في المقابلات: يُحيل الصحفية الروسية إلى ما حصل في الشيشان، ويُحيل الصحفي الأمريكي إلى غوانتانامو، ويمدح الصحفية اللبنانية من تلفزيون المنار بالحديث عن "مقاومة" إسرائيل. يلجأ أحياناً إلى الكذب دون أن يرف له جفن، سألته باربرا وولترز من تلفزيون CNN: "تعرض مطرب مشهور للذبح بعد أن كتب أغنية ضدك، هل رأيتم الصور؟"، فأجابها: "مشهور؟ ربما مشهور في الولايات المتحدة، ولكن ليس في سورية". تكفي نقرة واحدة على اليوتوب لرؤية ألاف الشباب وهم يرفعون أيديهم ويهتفون بكلمات المنحوس ابراهيم قاشوش: "إرحل يا بشار!"، "يُحيط بك الحرامية مثل رامي"، "اهتم بحرف السين" في إشارة مباشرة إلى الزأزأة التي تُثير غضبه...

     يُكرر بشار في أحاديثه بالبرلمان كلمات مذهلة أمام جمهور يقف إلى جانبه. قال متأثراً في آخر كلمة له في الأوبرا بتاريخ 6 تموز: "أنظر إلى وجوه الأطفال في سورية، ولا أرى ابتسامة أو ضحكة بريئة". كان يقف لوحده على المنصة، أمام ديكور جنائزي من عدد هائل من صور "الشهداء" الذين قتلهم "الإرهابيون"، وشكّلت هذه الصور العلم السوري. كان الحضور منفعلاً، إنهم يمثلون نصف سورية الصغير الذي يدعمه أكثر من أي وقت مضى بدافع الخوف أو المصلحة. قام حراسه الشخصيين بإبعاد الحاضرين المتجمعين حوله، عندما كان يُحييهم بيده، وكانت ضحكته ممزوجة بالانزعاج. إنه متأكد من انتصاره، ومتأكد من إعادة انتخابه بأكثر من 97 % عام 2014. تدعي العديد من المصادر أنه في هذا اليوم، كان الجيش السوري الحر يخطط لعملية تفجير، ولكن بشار الأسد لم يسمح بظهور علائم ذلك عليه. إنه محمي بدائرة ضيقة، ومنزوي داخل 1 كيلومتر مربع داخل دمشق، وخدع العالم بأسره. أخيراً، أصبح هذا الرجل الشاب المرتبك جديراً بوراثة والده.