الصفحات

الثلاثاء، 30 تموز، 2013

(لماذا أخطأنا إلى هذه الدرجة حول سورية؟)

صحيفة الفيغارو 30 تموز 2013 بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     استعاد الجيش السوري يوم الاثنين 29 تموز السيطرة على حي الخالدية الذي يمُثل آخر المعاقل الكبيرة للمتمردين في حمص، هذه المدينة التي أطلقت عليها المعارضة ضد حكومة بشار الأسد اسم "عاصمة الثورة". يبدو أن النظام البعثي ما زال حيّاً على الرغم من شهادات الوفاة التي لم يتوقف عن إصدارها الدكاترة الغربيون البارزون مثل آلان جوبيه ودافيد كاميرون وهيلاري كلينتون... علناً منذ سنتين. يبدو أن هذا النظام يرفض، بوقاحة، الخضوع لتنبؤات وأوامر القوى العظمى في الحلف الأطلسي وممالك الخليج الفارسي.
     كانت وسائل الإعلام والحكومات الغربية مذهولة منذ صيف عام 2011 من المصير (غير المتوقع) الذي خبأه التاريخ لبن علي ومبارك والقذافي، وقالوا لنا أن الدكتاتور السوري لن يبق إلا عدة أسابيع. تسرّعت فرنسا ساركوزي بإغلاق سفارتها في دمشق على الرغم من أنه دعا الدكتاتور لرئاسة العرض العسكري للعيد الوطني الفرنسي بتاريخ 14 تموز 2008، مُعتبراً أنه سيفتحها بدون شك بعد عدة أشهر عندما تصل سلطات جديدة ستكون بالتأكيد مُفعمة بالمثل الديموقراطية. أدى ذلك إلى أننا حرمنا أنفسنا من وسيلة هامة جداً للحصول على المعلومات حول هذا البلد، وتخلينا عن إمكانية التأثير على مجريات الأحداث في العاصمة السورية إلى الدبلوماسية الروسية فقط.
     كيف يمكن تفسير أن الغرب أخطأ إلى هذه الدرجة حول الملف السوري؟ هذا الخطأ هو نتيجة مزيج من الجهل التاريخي، والنظرة السياسية الثنائية القائمة على الصراع بين الخير والشر، والتفكير الدبلوماسي الذي ينظر إلى أمنياته باعتبارها حقائق (Wishful thinking). إن جهلنا بالتاريخ المعقد للمشرق جعلنا نعتقد بأن الملف السوري يمكن اختصاره بصراع بين الجديد والقديم، وبمعركة عادلة بين الشباب الديموقراطيين ضد المستبدين القدماء. لقد تجاهلنا أنه يوجد في سورية خط انقسام أكثر عمقاً بكثير، هذا الانقسام الذي درسه الباحث والمستعرب ميشيل سورا Michel Saurat المعروف بعدم تعاطفه مع نظام عائلة الأسد. إنه انقسام بين علمانية البعث وإسلاموية الإخوان المسلمين. يضم المعسكر الثاني بعض السنة، ويضم المعسكر الأول بعض السنة أيضاً (مثل زوجة بشار أو رئيس الأجهزة السرية علي مملوك) بالإضافة إلى العلويين والمسيحيين والدروز والأقليات العرقية التي لا تتحمل فكرة أن يُفرض عليهم يوماً ما أي نظام ديني شمولي. شهدت حلب تمرداً عسكرياً قبل جيل واحد. لماذا كان يحتج المتمردون السنة آنذاك؟ كانوا يحتجون ضد الدستور العلماني الذي قام "بحياكته" حافظ الأسد والد الرئيس الحالي. وافق الجنرال الأسد بعد ذلك توخياً للمصالحة على بند يؤكد أن "المسلم" فقط يمكن أن يصبح رئيساً للبلد.
     السبب الثاني للتعامي الغربي هو أننا شربنا بسرور الحليب الذي رضعناه من ثدي النظرة السياسية الثنائية. أجرى رئيس الوزراء البريطاني مؤخراً مقابلة مع الـ BBC، ولم يتردد فيها بالحديث عن "الأخيار" (good Guys) و"الأشرار" (bad guys) في سورية مثل أفلام الكاوبوي. إن هذه النظرة الثنائية النابعة من الصحافة التلفزيونية الهوليوودية، أدت في النهاية إلى تشويش الرأي العام. أليس المتمردون اليوم ـ إنهم الأخيار حكماً باعتبارهم ضحايا الشرير بشار ـ هم الذين يعلنون بصوت عال إعجابهم ببن لادن، ويذبحون الباعة المتجولين لأنهم ربما لم يحترموا الرسول، ويخطفون الصحفيين؟
     لم نعد نفهم شيئاً مما يحصل في سورية لأن نظرتنا للمجتمعات العربية مشوبة بالنظرة الأوروبية المركزية. لم نكن نريد منذ البداية أن نرى في المتمردين إلا ديموقراطيين حقيقيين يُشبهون شبابنا في مدرسة البوليتينيك الفرنسية الذين ماتوا من أجل الحرية في شهر تموز عام 1830.  قمنا بإخفاء كل ما يُعكر هذا التصور لأطول فترة ممكنة مثل: الانقسامات العميقة للمعارضة وأعمال الترهيب ضد المسيحيين في المناطق "المحررة"، والإسلاموية العنيفة للكتائب الأكثر فعالية على الأرض. كانت الدول الغربية تعتقد أن "العيار الصغير" لبشار لن يقاوم ضغوطهم النفسية فترة طويلة بعد أن انتصروا على رؤساء دكتاتوريين عنيدين مثل: ميلوسوفيتش وصدام حسين والقذافي. لم يتوقعوا أن الدكتاتور سيراهن على تقسيم جيوسياسي تقليدي جداً هو: السماح بكشف العدو (الوهابية السنية) وحشد القوى الحليفة (روسيا وإيران) ثم الانتقال إلى الهجوم المضاد بهدوء.