الصفحات

الخميس، 18 تموز، 2013

(تسليح مُفرط للعلويين في سورية)

صحيفة الفيغارو 18 تموز 2013 بقلم مراسلها الخاص في اللاذقية جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     أغلق لؤي عيادته الطبية في دمشق بسبب الخوف، ولجأ إلى اللاذقية بالقرب من قريته على الساحل. سقطت قذيفتان على مسافة 200 متر فقط من منزله في المزة 86 بالقرب من المطار العسكري في العاصمة. قال هذا الطبيب العلوي: "تحطمت جميع النوافذ، وكانت زوجتي مذعورة، ولم تعد تريد البقاء في دمشق". إلتقى لؤي وزوجته مع ابنتيهما اللتين تدرسان في اللاذقية بعد سنة من الفراق بسبب الخوف من استهدافهما بهجوم على الطريق بين اللاذقية والعاصمة. قال لؤي مسروراً في مكتبه الجديد: "هنا، كل شيء هادىء"، ويمكن أن نرى من مكتبه بعض الشباب يمرحون بالدراجات المائية (Jet Ski)، وبعض الفتيات بالبكيني يدخنّ الأركيلة على شرفة فندق الروتانا على شاطىء البحر.
     من الصعب أن نتصور هنا أن سورية تواجه تمرداً دامياً أدى إلى مقتل أكثر من مئة ألف شخص خلال ثلاثين شهراً، وذلك على الرغم من قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف قاعدة لتخزين الصواريخ الروسية بالقرب من اللاذقية في بداية شهر تموز. قال القنصل الفخري الفرنسي السابق في اللاذقية شريف زين: "ولكن انتبهوا، لم يكن الوضع هادئاً في بداية ربيع 2011 عند بداية الثورة".
     يُمثل السنة الجزء الأكبر من المتمردين في بقية أنحاء سورية، ولكنهم لا يمثلون في اللاذقية إلا 30 % من سكانها البالغ عددهم 700.000 نسمة، هذه المدينة التي تسكنها أغلبية علوية تراهن على بقائها. بالمقابل، هناك أقلية سنية صامتة في الساحل بسبب الخوف أحياناً والمصلحة أحياناً أخرى. إن السنة منقسمين اجتماعياً في اللاذقية، يعيش الأغنياء منهم في الطابيات والكورنيش الجنوبي، ويعيش الفقراء منهم في الرمل الجنوبي ومخيم الرمل الفلسطيني الذي تقوم حواجز الأجهزة الأمنية بمراقبته. إنه عالم مختلف كلياً بنسائه المحجبات بالعباءات السوداء اللواتي يتسكعن أمام أكياس القمامة المفتوحة، وباللاجئين القادمين من منطقة إدلب التي أهملتها السلطة المركزية فترة طويلة، قبل أن تنضم هذه المنطقة إلى التمرد.
     تظاهر ألاف السنة المُهملين ضد النظام في بداية التمرد، ولكن الجيش أغلق فوراً الرمل الجنوبي والفلسطيني، وقمع المعارضين بقسوة. حذّر أحد الخبراء قائلاً: "ما زالت هناك بعض الخلايا المتمردة التي تقوم بإدخال المقاتلين القادمين من جبل الأكراد إلى اللاذقية". في العام الماضي، كان بعض السنة يعتقدون بأن معارضي بشار الأسد سيأتون لـ "تحريرهم" انطلاقاً من جبل الأكراد. ولكن الجيش تصدى لغارة المتمردين في قرية الحفة الواقعة على مسافة ثلاثين كيلومتراً شمال ـ شرق اللاذقية، وانطلق منها للهجوم على جبلي الأكراد والتركمان، وفتح الطريق باتجاه تركيا، واستعاد العديد من القرى في هذه المنطقة الجبلية التي يسودها هدوء حذر حالياً. قال أرتور أغوبيان على الهاتف، وهو من أصل فرنسي ـ أرمني مقيم في كسب: "حتى ولو أنه يجب سلوك طريق آخر، أصبح الذهاب إلى اللاذقية أكثر سهولة. يُسيطر الجيش هنا على المنطقة بشكل جيد، وأقام العديد من الحواجز. لقد هرب الكثير من التركمان إلى تركيا".
     يشعر المتمردون بالغضب بسبب عودة الهدوء إلى المناطق المؤيدة للنظام، ولاسيما بالنسبة للحركة الإسلامية الرديكالية جبهة النصرة التي تسعى إلى مهاجمة ريف اللاذقية، مع احتمال أن يخلق ذلك بعض المشاكل مع خصومها في الجيش السوري الحر. أعرب أحد الصناعيين في اللاذقية عن قلقه قائلاً: "ما زالت هناك ما بين عشرين وثلاثين قرية مع المتمردين الذين يحصلون على مساعدات كبيرة من تركيا المجاورة". في الأسبوع الماضي، قام أحد رجال الدين السنة الشيخ عيروط بتوجيه نداء إلى المتمردين لمجابهة "المنطقة العلوية"، ثم تراجع عن كلامه لكي لا يُعط الإنطباع بأن المعارضة تسعى إلى مفاقمة النزاع الذي أصبح طائفياً.
     ولكن السنة في اللاذقية لم يعد يتأثرون بمثل هذه الدعوات، وأظهروا موقفاً حذراً ومُتحفظاً. أكد شريف زين وهو من الطائفة السنية: "لم يعد بإمكان السنة دخول معركة جديدة. حصل العلويون من حولهم على أسلحة كثيرة. يعرف السنة أنها ستكون نهايتهم إذا واجهوا العلويين. نحن نشهد حرباً لإبعاد السنة انطلاقاً من القرى العلوية المحيطة باللاذقية". أشار أحد أقارب لؤي إلى أن النظام أخفى في هذه الواحة الهادئة العديد من المدافع وراجمات الصواريخ "تحسباً لجميع الاحتمالات".
     قال أنس الشهابي (Anas Al-Chaabi)، أحد صناعيي حلب الذين لجؤوا إلى اللاذقية: "خاف الأغنياء السنة في بداية المظاهرات، وذهبوا إلى بيروت والقاهرة ودبي. ولكن بعد مرور عامين، عاد بعضهم لأنهم أدركوا بأن الحياة غالية جداً هناك. اغتنموا الهدوء للعودة إلى اللاذقية أو طرطوس لمتابعة أعمالهم هنا". بالنسبة للسنة الذين يتذكرون القمع الذي تعرضوا له في الثمانينيات، فإنهم غير متحمسين إطلاقاً بسبب أعمال الترهيب التي يرتكبها الراديكاليون الإسلاميون في معاقلهم الجديدة في حلب والرقة.
     أكد أحمد، أستاذ من الطائفة السنية: "ينظر السنة إلى مصالحهم الخاصة أولاً، ولا يرغبون بتعريضها للخطر. إن جميع التجار وموظفي الدولة يعتمدون على دولة ما زالت تعمل هنا. بالتأكيد، نحن ضحايا سياسة التمييز ضدنا. يحتكر العلويون أغلب المناصب الهامة، ولكن أنا أعرف النظام، ولا أعرف المعارضة. هل يستطيع أحد أن يقول لي من سيكون الرئيس القادم لسورية؟ ما زالت المعارضة عاجزة عن تقديم برنامج، ولم تُطمئن الأقليات. واليوم، تسير الأمور لمصلحة الجهاديين. أنا أفضّل بشار الأسد بمئة مرة على تنظيم القاعدة". أحمد هو أب لطفلين، ولا يريد أن تُشبه مدينته الممالك الخليجية المتشددة التي عاش فيها ستة أشهر.
     أكد حسن، وهو عضو في تحالف عائلة الأسد،  قائلاً: "اللاذقية هي أحد الأماكن الأكثر أماناً في سورية حالياً". اللاذقية هي معقل أوائل الشبيحة ـ ممولي النظام ـ مثل محمد الأسد الذي يُطلق عليه هنا اسم "شيخ الجبل". عاد بعض القادة السابقين مثل العماد علي دوبا إلى قراهم العلوية في الجبل.
     شاهدنا على طريق بانياس على البحر موكباً يحمل "شهيداً" لدفنه في قريته. تصل جثث الشباب بشكل شبه يومي إلى مطار اللاذقية التي تحول جزء منه إلى مكتب للدفن. إن العلويين أيضاً يبكون موتاهم. انخرط عشرات آلاف الشباب العلويين في الجيش الشعبي منذ سنة ونصف، هذا الجيش الذي يقوم بتخفيف الضغط عن القوات في العديد من المناطق السورية.
     تعرف الطائفة العلوية أنها أمام طريق مسدود بسبب الخطاب المعادي للعلويين من قبل بعض قادة المعارضة والمتمردين. لا يتحدث أحد هنا عن سيناريو "المنطقة العلوية" التي يمكن أن تنسحب إليها السلطة. اعتبر أحد العلويين الذين لديهم اتصالاتهم مع الجهاز الأمني السوري أن "بشار الأسد فكّر بذلك في بداية التمرد عندما كان خائفاً من حصول انشقاقات كبيرة داخل الوحدات العسكرية السنية، وهذا هو الأمر الذي يُفسّرتجنيد عشرات آلاف الشباب". ولكن شريف زين يقول اليوم: "لماذا الاكتفاء بالجبل عندما يكون بالإمكان الحفاظ على سورية بأكملها تقريباً".
     يشعر العلويون في الساحل بتفاؤل كبير بعد استعادة السيطرة على مدينة القصير الواقعة على مسافة ثمانين كيلومتراً منهم. قال أحد الدبلوماسين: "إن سقوطها كان سيفتح الطريق أمام المتمردين للوصول إلى الجبل العلوي". تطوع ابن عم لؤي في الحرس الجمهوري، وهو حالياً في حلب ينتظر بفارغ الصبر انطلاق المعركة القادمة التي يُفترض بها أن تجري على الجبهة الشمالية، ويُكافح عمّه منذ عام من أجل الحفاظ على إدلب. تعرّض الأول للإصابة بجروح في معركة بالقرب من دمشق، وتتقلب معنويات الآخر بين فترة وأخرى. قال لؤي مسروراً: "نرى بعض المتمردين ينشقون عن المعارضة للعودة إلى جانب النظام".
     قال حسن الذي تربطه قرابة بعيدة ببشار الأسد ولكن علاقته كانت جافة مع العائلة: "انتهت اللعبة بالنسبة للمعارضين. ولكنني سأتوقف اليوم عن توجيه الانتقادات إلى المحيطين بالرئيس حول الفساد. الأولوية هي الكفاح من أجل انتصار سورية في هذه الحرب، وستُبنى سورية الجديدة بعد ذلك". هل سيكون ذلك مع بشار؟ أجاب حسن: "على الأرجح". من أجل رفع معنوياتهم، يتذكر حسن وأصدقائه الإهانات التي تعرضوا لها خلال عقود الهيمنة السنية على سورية. قال أحد أصدقاء حسن وهو يشرب البيرة: "عندما كان والدي ينزل من قريته لبيع الخضار في اللاذقية، كان السنة في اللاذقية يشخّون عليه. اسمعوا جيداً، لن نقبل إطلاقاً بأن يعاملنا السنة كالعبيد. لهذا السبب أيضاً،نحن نقاتل إلى جانب بشار الأسد".