الصفحات

الأحد، 14 تموز، 2013

(هنري لورانس: "مصر تتعلم الحرية")

مجلة اللوبوان الأسبوعية 11 تموز 2013 ـ مقابلة مع الأستاذ في الكوليج دوفرانس هنري لورانس Henry Laurens ـ أجرى المقابلة رومان غيبير Romain Guibert

سؤال: إن ما يحصل في مصر حالياً يُشبه مواجهة بين مجتمعين، أي مصر المعاصرة والعلمانية ضد مصر الإخوان المسلمين؟
هنري لورانس: الأمر أكثر تعقيداً بكثير. في الحقيقة، تُمثل حركة 30 حزيران تحالفاً واسعاً من العناصر المتناقضة والتيارات السياسية المتنافسة. هناك أولئك الذين يُطلق عليهم "الليبراليون"، وهم جزء صغير جداً من المجتمع، بالإضافة إلى بعض المجموعات السلفية الراديكالية جداً. وبين هذين التيارين هناك ملايين المصريين الذين تجمعهم قضية واحدة هي غضبهم من محمد مرسي. تتعلم مصر اليوم الحرية بشكل فوضوي مثل بقية الثورات. هناك أزمة سلطة الدولة، وإبداع سياسي مدهش، وشعارات تطالب بكل شيء، وشبكات اجتماعية تتحدث عن آلاف المواضيع... لهذا السبب استطاعت حركة (تمرد) التي أطلقتها مجموعة من الأصدقاء قبل ثلاثة أشهر أن تجمع 22 مليون مصري. ولكن وراء هذه الحركة الشعبية العفوية التي جمعت ملايين الأشخاص في الشارع ـ أكثر من عدد المتظاهرين عندما سقط مبارك ـ هناك موزاييك يضم جميع التيارات السياسية في هذا البلد.
سؤال: ماذا يعني ذلك؟
هنري لورانس: رفضت المدن الكبرى بشكل واضح الإخوان المسلمين ، ولكن وادي النيل ما زال معقلاً وقاعدة صلبة للإخوان المسلمين، ويبدو أن قاعدتهم الانتخابية لم تتأثر في وادي النيل. هناك الأقباط الذين يبلغ عددهم ثمانية ملايين نسمة. بدأت العديد من الانقسامات بالظهور. أوضح مؤرخو القرن التاسع عشر أن مصر كانت قوية عندما كانت الدولة مركزية، وأنها عرفت الانحطاط عندما كانت الدولة ضعيفة. ولكن ذلك يبقى تصوراً نظرياً. في الحقيقة، هناك توترات دائمة وقديمة، والمناطق تواجه الدولة المركزية منذ وقت طويل، واستمر ذلك أثناء حكم مبارك الذي كانت يقضي وقته في تحديد هوية القادة المحليين وإقامة التحالفات معهم من أجل تعزيز سلطته. يجب تحليل المد الإرهابي في بداية التسعينيات عبر هذا المنطق. لم يكن ذلك مجرد بروز للإسلام الراديكالي العنيف، بل تعبيراً عن المطالب المحلية أيضاً.
سؤال: هل يعني ذلك أن مصر يمكن أن تنفجر؟ هل هناك أخطار بوقوع حرب أهلية؟
هنري لورانس: لعب الإخوان المسلمون على ورقة الخوف، وقالوا أنهم أفضل حصن ضد السلفيين. ولكن وادي النيل كان يعارض السلطة المركزية بشكل دائم تقريباً. وافق أغلب الإسلاميين على إلقاء السلاح مقابل الحصول على بعض المطالب من قبل السلطة المركزية. بالنسبة للذين رفضوا هذه المساومات، ذهبوا للقتال مع أسامة بن لادن مثل المصري أيمن الظواهري. لا يتنقل السائحون في هذه المنطقة إلا بقافلة محمية على الرغم من توقف العمليات الإرهابية. يقوم الجيش بضمان أمن الأقصر، ولكن الدولة لا تُسيطر على المنطقة بشكل فعلي. ينطبق ذلك أيضاً على سيناء التي لم تنجح الدولة بفرض سيطرتها عليها منذ بداية سنوات عام 2000. إن هذه التوترات موجودة بالتكوين الوراثي لدى المصريين. ولكننا لسنا في وضع يشبه الوضع السوري، ولا أرى انحرافاً نحو حرب أهلية. بالمقابل، إذا استمر الوضع بالتدهور في سيناء التي عادت إليها التوترات الإرهابية، ستتم إعادة النظر باتفاقيات السلام مع إسرائيل.
سؤال: لماذا تُمثل إقالة مرسي علامة على الإفلاس السياسي للإخوان المسلمين؟
هنري لورانس: ارتكب مرسي خطأين أساسيين: الأول، كانت إدارته للوضع الاقتصادي سيئة جداً. تعيش مصر يوماً بيوم، ولم يعد لديها احتياطي بالمواد الأساسية. الثاني، لم ينجح مرسي بأن يكون ممثلاً لجميع المصريين، ولم يجمع القوى السياسية في البلد باستثناء الإخوان المسلمين الذين برهنوا على أنهم لا يعرفوا إدارة بلد. إن وجودهم بالسجن لم يسمح لهم بالاستعداد لإدارة الدولة. فيما يتعلق بالأطر الإدارية التي تعلمت في أفضل الجامعات الغربية، فلم يدخلوا بهذا الرهان، وبذل الكثيرون منهم كل ما بوسعهم لإفشال هذه التجربة.
سؤال: لم يعرف الإخوان المسلمون كيف يفرضون نظرتهم السياسية على البلد؟
هنري لورانس: المجتمع المصري هو مجتمع إسلامي وليس علماني. لهذا السبب لم ينجح خطاب الإخوان المسلمين القائم على "إذا كنتم ضدنا، فأنتم ضد الإسلام". أدى عجزهم في إدارة البلد إلى  التشكيك بمصداقية مفهومهم السياسي القائل: "الإسلام هو الحل".
سؤال: ولكن مرسي برهن على أنه يتحلى بـ "المسؤولية" فيما يتعلق بالمسائل الدولية.
هنري لورانس: نعم، ولكن ذلك لم يساعد على تحسين صورته لدى الشعب. عندما قام السفير الأمريكي بتوجيه المديح علناً إلى مرسي بعد الأزمة الإسرائيلية ـ الفلسطينية في خريف عام 2012، انقلب هذا المديح ضده. إن المشاعر المصرية القومية والمعادية للولايات المتحدة ما زالت راسخة لدى الشعب، وتم اتهام مرسي بأنه إمّعة. يتبادل المعسكران المؤيد والمعارض لمرسي الاتهامات حالياً بالتبعية للولايات المتحدة. لقد تدخل الجيش أيضاً بسبب مواقف مرسي الدبلوماسية. يطغى الشعور القومي بشكل واضح على الجيش الذي يعتبر أنه هو المؤتمن على المصالح الحيوية للأمة، وينتقد "النزعة التدخلية" لدى الإخوان المسلمين.
سؤال: ما الذي تريدون قوله؟
هنري لورانس: ارتكب مرسي العديد من الأخطاء تجاه الجيش الذي يعتبر أنه من حقه إبداء رأيه حول الرهانات الدبلوماسية للبلد. لم يطلب محمد مرسي رأي الجيش عندما بدأ المفاوضات مع السودان من أجل تحقيق التقدم في ملف مثلث حلايب على البحر الأحمر، هذا المثلث الذي تُسيطر عليه مصر، ولكن السودان يُطالب به. اعتبر الجيش ذلك بمثابة التعدّي. ينطبق ذلك أيضاً على قيام محمد مرسي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سورية بدون استشارة الجيش. أخيراً، توجه مرسي نحو قطر للحصول على مساعدة مالية قدرها سبعة مليارات دولار، ولكن الكثيرين في الجيش يعتقدون أن هذه المساعدة مرهونة بقناة السويس التي يقوم الجيش بحمايتها. في الحقيقة، إن الجيش  المصري هو أكثر بكثير من قوة عسكرية. يُسيطر  الجيش على 20 % من ثروة البلد، ويعتبر نفسه تجسيداً للأمة عبر تاريخه. ما زال الجيش هو الوسيلة الوحيدة للإرتقاء الاجتماعي، وتركيبته الاجتماعية شبيهة بتركيبة الإخوان المسلمين، ونجد فيه الكثير من المسلمين المُتدينين. ولكن منذ اغتيال السادات عام 1981، تم القيام بكل شيء من أجل منع الإخوان المسلمين من اختراق قادة الجيش.
سؤال: هل تمثل الأحداث في مصر منعطفاً في عملية الثورات العربية؟

هنري لورانس: تتمتع كل ثورة بخصوصيتها، ولكن يمكن رسم بعض الخطوط العريضة. إذا استبعدنا النظامان الملكيان في المغرب والأردن وبعض الدول مثل العراق ولبنان وفلسطين التي يتصف الوضع السياسي فيها بأنه سيء جداً، ولكنها تتمتع بوجود حرية تعبير نسبية وبوجود حركات سياسية مختلفة، فإن الثورات جرت في الدول التي لا توجد فيها تعددية سياسية. كان الإسلاميون هم القوى المعارضة الوحيدة المنظمة في مصر وتونس عندما سقطت الأنظمة، وقد تعرضت هذه القوى للقمع في أغلب الأحيان. يُمثل المعارضون الآخرون قوى التجديد، ولكن خطابهم ليس منظماً، ويتألفون غالباً من عناصر متناقضة. إن قادتهم هم شخصيات جديدة لا تخاف من شيء، الأمر الذي لا يساعد على تشكيل التحالفات. إن المرحلة الجديدة في الثورات بعد الذي حصل في مصر ستكون كتابة وتبني الدساتير التي ستُنظم الحياة السياسية في عدة دول... ولكن ما سيحصل في سورية والجزائر سيُشكل أيضاً قطيعة حقيقية. تعيش الجزائر اليوم بقيادة أوتوماتيكية تلقائية. تبقى سورية التي نجح فيها بشار الأسد بخلق نزاع طائفي وحرب أهلية، وجذب القوى الكبرى ـ الصين وروسيا وإيران والغرب ـ إلى النزاع، مع برنامج شيطاني يتمثل بزعزعة استقرار جيرانه في الأردن ولبنان.