الصفحات

الأحد، 14 تموز، 2013

(المبالغة بالجهاد تقتل الجهاد)

صحيفة اللوموند 13 تموز2013 ـ مقابلة مع الباحث السياسي المختص بالعالم الإسلامي جيل كيبيل Gilles Kepel ـ أجرى المقابلة جان بيرنبوم Jean Birnbaum

سؤال: قال الفيلسوف جاك دريدا Jacques Derrida بعد أحداث 11 أيلول أنه لم يسقط البرجين فقط، بل سقطت أيضاً الجغرافية السياسية القديمة للدول القومية بأكملها، وأنه كانت كلمات "الأرض" و"الحرب" تعني شيئاً ما في هذا العالم. ولخص الوضع قائلاً بأننا دخلنا الآن في حقبة "حرب غريبة بدون حرب"...
جيل كيبيل: كان فيلسوف آخر هو هيراقليط يقول أيضاً: الحرب هي "أب" جميع الأشياء. وبشكل خاص عندما ينهار نظام قديم بسبب تغير موازين القوى القائمة. تفاجأ الغرب بأحداث 11 أيلول لأن جهازه العسكري ونظامه الاستخباراتي كانا مبنيان بشكل كبير حول التهديد السوفييتي القديم. كان الغرب مُسلحاً بالدبابات والصواريخ القادرة على تدمير مدن العدو الكبرى. لم يكن هناك عاصمة لتنظيم القاعدة مثل موسكو من أجل قصفها غداة أحداث 11 أيلول. لم تعد الترسانة مفيدة لأي شيء، وتغير شكل الحرب. اعتقد الأمريكيون مع غزو العراق أنهم قادرون على إعادة قواعد اللعبة التقليدية، وتحول ذلك إلى فخ. ولكن هذا الفخ أطبق أيضاً على تنظيم القاعدة الذي لم يكن يملك الوسائل للقيام بحرب عصابات حقيقية. لهذا السبب، قاموا بجلب الجهاديين السنة وتمويل السنة العراقيين. ولكن تنظيم القاعدة كان عاجزاً عن تحقيق التناغم بين السنة المحليين والانتحاريين القادمين من جميع أنحاء العالم من أجل تفجير أنفسهم في العراق. كما قاموا بقتل الشيعة، ووقعوا بدورهم في الفخ الذي أصبح خط الانقسام الرئيسي في الشرق الأوسط: أي العداء بين الشيعة والسنة.
سؤال: أصبح هذا العداء الشيعي ـ السني يُشكل الكابوس السوري. لقد طغى النزاع المسلح الذي تسوده الحسابات الدينية أكثر فأكثر على التمرد ضد الدكتاتورية في دمشق وحلب.
جيل كيبيل: إنه أكثر من ذلك. يجب إدراك أن الجهاد في المجتمعات الإسلامية هو مفهوم أساسي. لقد فقد الجهاد قدرته على التجييش بالمعنى العسكري حتى سنوات الثمانينيات والغزو السوفييتي لأفغانستان. خلال حرب الجزائر على سبيل المثال، استخدمت صحيفة جبهة التحرير الوطنية كلمة الجهاد والمجاهد، ولكن أعضاءها كانوا يشربون الخمر أيضاً. إن عبد الله عزام هو الذي جعل الجهاد الحربي، خلال الحرب في أفغانستان، محوراً لإستراتيجية الحركات الإسلامية. لقد أعاد ذلك ما يُطلق عليه اسم "الجهاد الأصغر" أي الجهاد الذي يدفع أولئك الذين عاشوا في الأوساط الشعبية بضواحي باريس، وكانوا أبناء للمهاجرين أو اعتنقوا الإسلام بعد أزمة روحانية أو أزمة هوية، إلى ركوب طائرة إلى استانبول ثم الذهاب بالحافلة إلى أنطاكية مساء اليوم نفسه من أجل قتل عنصر في الميليشيات العلوية.
إنه تسارع كبير في التاريخ بالمقارنة مع حصل في 11 أيلول، كنّا أمام أشخاص تم اختيارهم ويقومون بعمليات مع ضباط وإدارة... ونواجه اليوم حرب عصابات فردية لا يمكن اخترالها بالمواجهة بين الإسلام والغرب. سيقوم حزب الله بقتل السنة، ويقول لي الإيرانيون الذين يتحدثون معي أنه يجب على الغرب وإيران التحالف من أجل مواجهة الخطر الحقيقي المتمثل بالسنة. بالمقابل، يدعو السنة إلى الكفاح ضد أولئك الذين يدعونهم بالهراطقة. نُلاحظ هنا جيداً كيف تتغير الجبهات وكيف أصبح استخدام مفهوم الجهاد أكثر فأكثر صعوبة من قبل هذا الطرف أو ذاك. إن المبالغة بالجهاد تقتل الجهاد، والمبالغة بالإرهاب تقتل الإرهاب.
سؤال: جعلت الحرب في سورية من الأنترنت ومواقع التواصل ساحة حقيقة للحرب. ألسنا أمام نمط جديد من المواجهة المُخيفة: حرب دينية قديمة ورقمية في الوقت نفسه؟
جيل كيبيل: تتحول أي ثورة في التاريخ المعاصر إلى حرب لأنها تؤدي إلى إدخال تغييرات مذهلة على توزيع الثروة والسلطة. تُستخدم الحرب غالباً للتخلص من الأمور المزعجة، وإرسال الثوار الفقراء للموت دفاعاً عن الثورة والوطن. هذا ما يحصل في سورية. بدأت الثورة باستخدام المصطلحات المستخدمة في تونس: أي الشعب يريد اسقاط النظام. ولكن ممالك الخليج التي لا تحب كثيراً هذه الشعارات بـ "العدالة الاجتماعية" و"الحرية"، بذلت كل ما بوسعها لارتهان هذا التمرد، ولاسيما عبر تلفزيون الجزيرة والشبكات السلفية، وبالتالي احتواء طاقة الثورات العربية وتوجيهها ضد العدو الشيعي. هذا هو السياق الذي يبني منطقاً جديداً للحرب، وأصبحت سورية الخندق الأمامي لهذه الحرب التي تُمثل مزيجاً من الأشكال التقليدية للنزاعات المسلحة ومن أساليب تنظيم القاعدة. تتميز هذه الحرب بخصوصية أنها تجري على الأنترنت، وهي أول حرب تجري متابعتها بشكل مباشر على اليوتوب (YouTube). شاهد الجميع هذا الرجل المسلح الذي قام بتقطيع كبد عدوه بعد انتزاعه من أحشائه. وبعكس ما قيل، انتزع كبده وليس قلبه، ولم يأكله بل عضّه. لماذا؟ هذه الحركة لها معنى ديني يرتبط بحروب الرسول، وتُمثل علامة رمزية على هزيمة العدو. يُمثل الكبد في الثقافة الإسلامية معادلاً للقلب، إنه مقر المشاعر. وهناك صدى عسكري وأسطوري لفعل العض. أشار بوتين إلى أن الذين يأكلون كبد أعدائهم ليسوا ديموقراطيين حقيقيين... وأعتقد أن هذه الحادثة المنشورة على اليوتوب ساهمت في تعزيز نظام بشار الأسد أكثر من مئة دبابة سوفييتية وألفي مقاتل من حزب الله...
سؤال: كان المحافظون الأمريكيون الجدد خلال حرب العراق يُحبون الحديث عن مواجهة بين الرجولة الأمريكية والأنوثة الأوروبية العاجزة عن الحرب من أجل الديموقراطية. وكان الباحث السياسي روبيرت كاغان Robert Kagan يُلخص الوضع بأن الولايات المتحدة مع إله الحرب مارس، وأوروبا مع إلهة الحب والجمال فينوس. بعد مرور عشر سنوات على ذلك، يبدو أن أوروبا وفرنسا على سبيل المثال قد استعادت المذهب التدخلي للرئيس الأمريكي السابق وودرو ويلسون، هذا المذهب الذي يدافع عنه المحافظون الجدد...
جيل كيبيل: هناك اختلاف كبير بين الحالتين في مالي والعراق. بالنسبة لمالي، هناك دفاع عن سيادة بلد تعرّض للاجتياح بشكل جزئي، ومُهدد بالتحول نحو الإسلاموية. كانت باماكو ستسقط خلال عدة أيام لولا هذا التدخل، وكان من الممكن أن تكون نتائج ذلك هائلة. هناك اختلاف عسكري أيضاً: حققت الحرب ضد هذه المنظمة الغامضة تقدماً هائلاً منذ الحرب على العراق، ولاسيما مع إعادة تنظيم الاستخبارات والتطور التكنولوجي والطائرات بدون طيار، هذه الطائرات التي تطرح مشكلة قانونية كبيرة، ولكنها تُمثل الرد العسكري الأكثر فعالية ضد تنظيم القاعدة.

إذا كانت فرنسا قد استطاعت القيام بهذه العملية الصاعقة في مالي، فإن السبب أيضاً هو اختراق طريقة وأسلوب عمل الجهاديين. من المعروف حالياً كيف يتنقلون ويتحركون وكيف يقاتلون. إن الجنود الذين ذهبوا إلى مالي كانوا مستعدين لمثل هذا النوع من المعارك. لهذا السبب نجح الجيش الفرنسي خلال شهر واحد بسحق الجهايين في مالي على الرغم مما يُقال عن ضعفه. من المضحك أنه باعتباري مواطن فرنسي، تلقيت بعض الرسائل الإلكترونية المليئة بالإعجاب من قبل بعض المراقبين الأمريكيين، وذكّرتهم أنه قبل فترة غير طويلة كانوا يصفونني بـ "القرد الجبان آكل الجبنة العفنة".