الصفحات

الثلاثاء، 26 آب، 2014

(فرانسوا هولاند يؤذي "المجال المحصور" به للسياسة الخارجية)

صحيفة اللوموند 24 ـ 25 آب 2014 بقلم النائب عن حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية وعضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي بيير لولوش Pierre Lellouche

     إن الجزء المتعلق بالسياسة الدولية من المقابلة  التي أجراها رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند مع صحيفة اللوموند بتاريخ 21 آب ليس فقط "يبعث على الاستغراب" بل كان "كاذباً" أيضاً في بعض جوانبه كما وصفه بحق رئيس الوزراء  السابق فرانسوا فيون. إن هذا الجزء ببساطة يبعث على الغم بالنسبة لأولئك الذين يتذكرون إرث الجنرال ديغول (أو حتى إرث فرانسوا ميتران). إنه أمر مقلق جداً لمن يعرف خطورة الوضع الدولي، كما لو أن هذا التعامل الطائش مع الشؤون الدولية يهدف إلى إخفاء ضعف فرنسا وتراجع مرتبتها.
     إنه إنكار للحقيقة أولاً فيما يتعلق بأوروبا. كان فرانسوا هولاند قد ركّز حملته الانتخابية على موضوع "إعادة التفاوض حول المعاهدات الأوروبية" و"إعادة توجيه" السياسات الأوروبية والحرب ضد التقشف، ولكنه أصبح مجبراً اليوم على استجداء ألمانيا "وتيرة تتلاءم مع  الوضع الاستثنائي الذي تعيشه فرنسا من أجل تخفيف عجز الموازنة الفرنسية".
     فيما يتعلق بأوكرانيا، لم تقم فرنسا منذ البداية إلا بدور من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة، وانتظرت ثلاثة أشهر قبل إرسال وزير خارجيتها إلى ساحة ميدان في كييف.
     فيما يتعلق بالشرق الأوسط الذي يشهد زلزالاً جغراسياسياً حقيقياً منذ الثورات العربية، وتأثر بضعف دور "القوى العظمى" وبروز القوى الإقليمية غير العربية (تركيا وإيران) وانفجار الإرهاب الجهادي، فإن الخروج من الأزمة ليس مؤكداً، وليس هناك دور محدد ومفيد لفرنسا. هذا هو سبب الدعم الذي قدمة ثلاثة رؤساء سابقون للحكومة الفرنسية ـ فرانسوا فيون وجان بيير رافاران وآلان جوبيه ـ في صحيفة اللوموند بتاريخ 14 آب إلى فكرة تسليح المقاتلين الأكراد وتنظيم مؤتمر دولي يضم الدول الكبرى في المنطقة من أجل الوقوف في وجه تهديد الدولة الإسلامية.
     هناك أيضاً المبادرات الفرنسية المتأخرة: يعود تاريخ استيلاء متطرفي الدولة الإسلامية على الموصل وارتكابهم للمجازر ضد الأقليات المسيحية إلى شهر حزيران. لم يُتخذ قرار تقديم المساعدة إلى الأكراد إلا بعد القرار الأمريكي باستخدام السلاح الجوي ضد الجهاديين، ولم تظهر أية مبادرة من الجانب الفرنسي من أجل فرض قمة طارئة على قادة الاتحاد الأوروبي حول الأزمة العراقية. النتيجة هي أن فرنسا تكتفي هنا أيضاً بتقليد الولايات المتحدة مرة أخرى وسياستها المتهورة في المنطقة. هل يجب التذكير بأن فرنسا كانت تتمنى مع الأمريكيين قبل عام قصف جيش بشار الأسد المدعوم من إيران لصالح الميليشيات السنية التي يتم اعتبارها اليوم العدو الأول ويقصفها الأمريكيون بدعم ضمني من إيران. في السياق نفسه، علمنا في المقابلة التي أجراها فرانسوا هولاند مع صحيفة اللوموند بأنه أرسل أسلحة إلى المقاومة السورية بدون أن يقول ذلك إلى أي شخص ولا حتى إلى البرلمان والفرنسيين. من هي هذه المقاومة، وما هي هذه الأسلحة، وما هي النتائج؟ إنه سر خفي.
     وصل عدم انسجام فرانسوا هولاند إلى ذروته في حديثه حول الحربين الأفريقيتين للرئيس في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى. قارن فرانسوا هولاند الحرب الأولى بالحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق، وهذا أمر مُرعب بالنسبة للذين يعرفون الوضع في مالي. ما هو القاسم المشترك بين مطالب الحكم الذاتي للطوارق والنزاع  الديني بين السنة والشيعة في العراق؟ كيف يمكن الادعاء، كما يقول فرانسوا هولاند، بأنه انتصر في "حربه" في مالي، بينما انهزم نيكولا ساركوزي في "حربه" في ليبيا؟ هل سينصح الرئيس بإرسال قوات إلى طرابلس أو بنغازي؟ وماذا عن المستنقع في جمهورية أفريقيا الوسطى الذي أغرق به فرنسوا هولاند فرنسا دون أي دعم وأي آفاق للتسوية؟ إن هذا التهور العسكري الذي يتبناه رئيس الجمهورية باسم "مكافحة الإرهاب واحترام القانون الدولي"، جعلنا أخر دولة تُطبق ذلك. يُفضل البعض الآخر استخدام الطائرات بدون طيار والأسلحة الجوية والقوات الخاصة... أو عدم التدخل إطلاقاً.
     يتبنى فرانسوا هولاند كل ذلك، ويدعي أنه حافظ على الإمكانيات العسكرية من أجل القيام به. ولكن الموازنة العسكرية انخفضت كثيراً خلال السنتين الماضيتين أكثر من أي وقت مضى. يكفي الذهاب ومشاهدة قواتنا في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى لكي نقدر مدى إفقار جيوشنا. تكمن هنا الكذبة الأكثر خطورة. لا، لم "يحافظ رئيس الجمهورية على اعتمادات الموازنة العسكرية" التي تميل نحو الانخفاض بالأصل. إن التدخلات العسكرية في أفريقيا ليست ممولة، و"الموارد الاستثنائية" ليست كافية، والتعديلات على قانون الموازنة التي تم التصويت عليها قبل فصل الصيف اقتطعت نصف مليار يورو من اعتمادات التجهيزات العسكرية لقواتنا.