الصفحات

الثلاثاء، 5 آب، 2014

(فرانسوا هولاند، أنتم مسؤولون عن صورة فرنسا المهددة في غزة)

صحيفة اللوموند 5 آب 2014  بقلم الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود روني برومان Rony Braumann والمفكر ريجيس دوبريه Régis Debray وكريستيان هيسل Christiane Hessel (أرملة ستيفان هيسل) والفيلسوف إدغار موران Edgar Morin

     كان رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي Herman Van Rompuy ورئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو José Manuel Barroso على صواب عندما قالا مؤخراً: "عندما يؤدي العنف إلى دوامة خارجة عن السيطرة وإلى موت ثلاثمائة مدني أبرياء، فإن الوضع يقتضي رداً عاجلاً وحازماً"، وذلك عندما انتقل الاتحاد الأوروبي الى المرحلة الثالثة من العقوبات الاقتصادية على روسيا. من غير المعروف فيما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو أحد مسؤوليه قد أعطى الأمر بإسقاط الطائرة الماليزية بوينغ 777. وصل عدد القتلى المدنيين الأبرياء في غزة إلى ثلاثة أضعاف ضحايا الطائرة الماليزية، ولكن هؤلاء الضحايا مُستهدفون بدقة وبأمر مباشر من حكومة. ما زالت عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد إسرائيل معدومة. أدى ضم شبه جزيرة القرم الناطقة باللغة الروسية إلى موجة من الاستنكار والعقوبات. لم يؤد ضم القدس العربية إلى تحريك أية مشاعر داخلنا؟ هل من الممكن إدانة فلاديمير بوتين والتغاضي عن بنيامين نتنياهو في الوقت نفسه؟ هل هي سياسة الكيل بمكيالين مرة أخرى؟
     قمنا بإدانة النزاعات العربية ـ العربية والإسلامية ـ الإسلامية التي أدمت الشرق الأوسط وقسمته، وعدد الضحايا المحليين لهذه النزاعات أكبر من عدد ضحايا القمع الإسرائيلي. ولكن خصوصية القضية الإسرائيلية ـ الفلسطينية هي أنها تتعلق وتمس هوية ملايين العرب والمسلمين وملايين المسيحيين والغربيين وملايين اليهود المنتشرين في أنحاء العالم. يبدو للوهلة الأولى أن هذا النزاع محلي، ولكنه ذو أبعاد عالمية، ولهذا السبب وصلت تداعياته إلى العالم الإسلامي والعالم اليهودي والعالم الغربي. أدى هذا النزاع إلى إيقاظ وتضخيم النزعات المعادية لليهود والمعادية للعرب والمعادية للغرب، ونشر الحقد في جميع قارات العالم.
     سنحت لنا الفرصة للذهاب إلى غزة التي يوجد فيها المعهد الثقافي الفرنسي، وشعرنا بالقلق عندما سمعنا صيحات الاستغاثة من أصدقائنا هناك الذين يشاهدون أقاربهم يموتون في عزلة مرعبة. ليس لدينا اتصالات مع الرئيس الحالي للمجلس الأوربي أو للمفوضية الأوروبية، ولن نتوجه إلى هذه الشخصيات البارزة والحكيمة، بل سنتوجه إليكم فرانسوا هولاند لأننا صوتنا لكم ونعرفكم. من حقنا أن ننتظر منكم جواباً عاجلاً وحاسماً تجاه هذه المجزرة وهذه العقوبات الجماعية الممنهجة حتى في الضفة الغربية.
     لا تكفي النداءات الورعة أو تحميل المسؤولية للطرفين بشكل يُخفي عدم توازن القوى المُرعب بين المستعمِرين والمستعمَرين منذ سبعة وأربعين عاماً. كان الكاتب والمنشق الروسي ألكسندر سولجينيتسين Alexandre Soljenitsyne (1918 ـ 2008)  يطلب من القادة السوفييت شيئأً واحداً فقط: "لا تكذبوا". السيد الرئيس، عندما لا يكون بالإمكان مقاومة القوة، يجب مقاومة الكذب على الأقل. يجب أن نأسف دوماً لموت العسكريين في المعركة، ولكن عندما يكون الضحايا مدنيين ونساء وأطفال بدون حماية وبدون مياه للشرب وليسوا مستعمِرين بل مستعمَرين، وليسوا غزاة بل يتعرضون للغزو، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالتوسل بل بالاجبار على احترام القانون الدولي.
     تتمتع فرنسا بمكانة تسمح لها بالقيام بمبادرة داخل الدول الأوروبية الكبيرة من أجل تعليق اتفاق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وهو اتفاق مشروط باحترام قيمنا المشتركة واتفاقيات السلام الموقعة في الماضي. تستطيع فرنسا أيضاً التأكيد على أن وقف إطلاق النار وعودة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، لن يؤدي إلا إلى المساهمة في تفاقم الوضع وبالتالي عودة انعدام الأمن لجميع الأطراف. إن الانغلاق الكامل غير قابل للاستمرار وهو غير إنساني. لماذا لا تستطيع الشرطة الأوروبية العودة إلى جميع نقاط العبور بين غزة والخارج كما كان عليه الحال قبل عام 2007؟
     نحن لا ننسى المسيحيين المطرودين من العراق والمدنيين المحاصرين في حلب. ولكن حسب معلوماتنا، لم نراكم تغنون إطلاقاً أغنية "الحياة المزهرة" (La vie en rose) وتشربون الأنخاب مع دكتاتور دمشق أو مع الخليفة في الموصل، ولكننا رأيناكم تفعلون ذلك على شاشاتنا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال وجبة عائلية. يبدو لكم أن اليمين المتطرف الإسرائيلي أقل استحقاقاً للانتقاد من اليمين المتطرف الفرنسي، إن هذا التناقض يمكن أن يبدو معقولاً في بعض جوانبه من أجل تسهيل الحوار والضغوط باسم القيم المشتركة. تدعي إسرائيل أنها تدافع عن الغرب الذي اضطهد اليهود في الماضي، وأنها وريثة هؤلاء اليهود في السراء والضراء. تقول إسرائيل أنها تدافع عن الديموقراطية، ولكنها تحصرها باليهود فقط، وتدعي أنها عدوة العنصرية على الرغم من أنها تقترب من التمييز العنصري ضد العرب.
     تقتضي الحكمة التمييز بين الأشياء التي تعتمد علينا وتلك التي لا تعتمد علينا فيما يتعلق بالأحداث العالمية. لا يمكن التصرف تجاه حوادث الطائرات أو الزلازل، ولكن على الرغم من ذلك، أبديتم اهتمامكم بمصير وحزن عائلات ضحايا الكارثة الجوية في مالي، وهذا يُشرّفكم. ولكن من الأجدر على رجل السياسة أن يكون في الواجهة عندما تكون الكوارث الإنسانية ناجمة عن قرارات سياسية بإمكانه التدخل فيها، ولاسيما عندما يكون المسؤولون عنها أصدقاءه أو حلفاءه الذين يشكلون جزءاً من الأمم المتحدة وخاضعون للواجبات والالتزامات نفسها كبقية دول العالم. أليست فرنسا عضواً دائماً في مجلس الأمن؟ بالتأكيد، إن الفرنسيين ليسوا معنيين هنا بشكل مباشر، ولكنكم مسؤولون عن صورة فرنسا المهددة بنظر مواطنيكم وبنظر العالم بأسره. ولا يخفى عليكم أن مصداقية التهرب والأعذار الكاذبة لا تستمر طويلاً وحياتها محدودة أكثر فأكثر.