الصفحات

الأربعاء، 6 آب، 2014

(التغيير المتأخر في نبرة الدبلوماسية الفرنسية)

صحيفة اللوموند 6 آب 2014 بقلم كريستوف عياد Christophe Ayad

     كان لا بد من أكثر من ألف وثمانمائة قتيل فلسطيني معظمهم من المدنيين وقصف مدرسة للأمم المتحدة تحولت إلى ملجأ لسكان غزة للمرة ثالثة لكي تتغير نبرة الدبلوماسية الفرنسية تجاه إسرائيل يوم الاثنين 4 آب. أصدر لوران فابيوس بياناً يختلف جداً عن البيانات السابقة التي كانت تضع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على قدم المساواة، وأدان "ما يجب تسميته بالمجزرة في غزة"، وأضاف أن حق إسرائيل "الكامل" بالأمن ـ حرص على تأكيد ذلك ـ "لا يُبرر قتل الأطفال وسفك دماء المدنيين"، ثم طالب بـ "وقف حقيقي لإطلاق النار" دون الاكتفاء بالدعوة إليه، ثم لوّح أخيراً بتهديد "حل سياسي يجب أن يفرضه المجتمع الدولي نظراً لأن الطرفين أظهرا عجزهما في انهاء المفاوضات لسوء الحظ على الرغم من المحاولات المتعددة". إنها المرة الأولى التي تتحدث فيها وزارة الخارجية الفرنسية عن مثل هذا الاحتمال، وذلك بعد الاعتياد على دعوة الطرفين للتفاوض مباشرة من أجل التوصل إلى السلام.
     إنها المرة الأولى التي تقوم فيها فرنسا بتهديد إسرائيل بوضوح منذ بداية عملية "الجرف الصامد" بتاريخ 8 تموز، مؤكدة في الوقت نفسه على "المسؤولية الجسيمة" التي تقع على حماس. هل هذا التغيير في النبرة هو ثمرة إستراتيجية مشتركة مع واشنطن التي تمثل الحكم الإقليمي التقليدي على الرغم من تراجع نفوذها؟ هل هذا التغيير هو مجرد التزام بالاستنكار الدولي الناجم عن الهجوم الإسرائيلي الجديد على مدرسة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة المكلفة باللاجئين الفلسطينيين UNRWA يوم الأحد 3 آب، الذي وصفته لندن بأنه "لا يُحتمل"، ووصفته مدريد بـ "غير المقبول"، ووصفته واشنطن بـ "المخزي"؟ هل يجب أن نرى هذا التغيير كردة فعل على الانتقادات العديدة واللاذعة من اليمين واليسار الفرنسي حول دعم فرانسوا هولاند لإسرائيل بشكل مفرط؟ أو أن الدبلوماسية الفرنسية في المنطقة في طور اتخاذ منعطف حقيقي تجاه تكرار سيناريو الحرب؟ هناك أسباب قوية تدفع للشك بالفرضية الأخيرة ما دامت إسرائيل لا تستجيب للضغوط الدولية ولديها علاقات قوية في أوروبا والولايات المتحدة، وما دامت حماس منبوذة بنظر الدبلوماسيين الغربيين.
     يكمن التفسير الرئيسي لهذا التغيير الفرنسي بأن موقف فرانسوا هولاند أصبح غير محتمل. شارك فرانسوا هولاند في مراسيم الاحتفال بذكرى الحرب العالمية الأولى في مدينة لييج البلجيكية يوم الاثنين 4 آب، وألقى كلمة دعا فيها أوروبا إلى الخروج من سباتها تجاه "المجازر في غزة"، وقال: "يجب علينا التحرك بعد سبع وعشرين يوماً من النزاع". إنه تغير غريب في موقف الرئيس الذي أظهر منذ وصوله إلى الإليزيه أنه الرئيس الأكثر قرباً لإسرائيل في تاريخ الجمهورية الخامسة، وحتى أكثر من نيكولا ساركوزي الذي تباهى في بداية ولايته أنه "صديق" إسرائيل، وأنهى ولايته بوصفه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ "الكذاب" خلال محادثة مع باراك أوباما بحضور بعض الصحفيين. لم يتحدث فرانسوا هولاند إطلاقاً عن قربه من إسرائيل، ولكنه برهن دوماً على ذلك في عدة مناسبات، ولاسيما خلال المفاوضات حول الملف النووي الإيراني ثم خلال زيارته إلى إسرائيل في شهر تشرين الثاني 2013.

     كان موقف الرئيس الفرنسي مُفاجئاً حول الحرب الحالية في غزة من حيث عدم توازنه، وذلك عندما أعطى شيكاً على بياض إلى بنيامين نتنياهو عبر البيان الذي أصدره الإليزيه بتاريخ 9 تموز قائلاً: "يحق للحكومة الإسرائيلية اتخاذ جميع الإجراءات لحماية شعبها من التهديدات". بالإضافة إلى ذلك، انزعج جزء من الناشطين اليساريين بعد منع عدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين بسبب الحوادث التي جرت في باريس ومدينة سارسيل Sarcelles في ضواحي باريس. برر رئيس الحكومة الفرنسي مانويل فالس هذا المنع غير المسبوق في فرنسا برفض "استيراد النزاع إلى فرنسا" باسم مكافحة "العداء الجديد للسامية". دفع ذلك ببعض قادة الحزب الاشتراكي إلى الإعراب في الاجتماعات الخاصة عن أسفهم لظهور سياسة تشبه سياسة رئيس الحكومة الاشتراكية في الجمهورية الرابعة غي موليه Guy Mollet الذي "أعطى" القنبلة النووية إلى إسرائيل بعد فشل الحملة العسكرية على قناة السويس عام 1956، هذه الحملة التي شنتها فرنسا والدولة اليهودية وبريطانيا على جمال عبد الناصر في مصر.