الصفحات

الجمعة، 1 شباط، 2013

(إنقاد حياة الناس في سورية)


صحيفة اللوموند 1 شباط 2013  بقلم جيل باريس Gilles Paris

     كان السؤال الأخير الذي طرحته المجلة الأمريكية نصف الشهرية The New Republic على الرئيس الأمريكي قبل عدة أيام هو التالي: وسورية؟ كيف تواجهون شخصياً وأخلاقياً ما يحدث فيها؟  أجاب باراك أوباما طارحاً سلسلة من الأسئلة الأخرى التي يستوحيها بعد كل اجتماع يومي حول هذه الحرب الأهلية قائلاً: "هل يمكننا قلب الموازين؟ ما هو التأثير على قواتنا التي ما زالت في أفغانستان؟لماذا عشرات الآلاف من القتلى في سورية بدلاً من عشرات آلاف القتلى في الكونغو؟". حاول الرئيس وصف إشكاليته قائلاً: "إنها ليست أسئلة سهلة، يجب الموازنة بين الحسنات والسيئات"، ثم تحدث عما سيكون بالنسبة له الأمر الأكثر أهمية مع مرور الأشهر قائلاً: "تأملون في نهاية رئاستكم، أن تستطيعون النظر إلى الخلف والقول: لقد اتخذت قرارات جيدة أكثر من القرارات السيئة، وأنقذت حياة بعض الناس حيثما استطعت ذلك".
     إنقاذ حياة الناس، هذا هو بالضبط ما ترفضه الدول القادرة على القيام بذلك منذ أن قام نظام متهالك بإفساد التمرد السلمي وتحويله إلى حرب أهلية قبل أكثر من عام تقريباً. ترفض الولايات المتحدة القيام بذلك لأن عشرة سنوات من النزاعات أنهكتها مالياً وأخلاقياً. ويرفض الأوروبيون أيضاً التدخل لأنهم مترددون جماعياً حيال استخدام أداة عسكرية شبيهة بالوسيلة التي تستخدمها قوة عظمى. كما يرفض الآخرون التدخل باسم مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية، هذا المبدأ الذي يُعادل التواطىء، ويقوم البعض الأخر بتسليح قوات بشار الأسد.
     ترافق هذا العجز مع استخدام حق النقص ثلاث مرات من قبل روسيا والصين، وأخفى مبدأ آخر هو واجب حماية المدنيين الذي تم رفعه في ليبيا قبل حوالي السنتين. لقد كان هذا المبدأ انتصاراً لحقوق الإنسان بعد عدة سنوات من العمل في الأمم المتحدة.
     إن النزاع السوري الطويل يُذكرنا بتقرير للأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 28 تشرين الثاني 2005 حول وجود انتهاكات دائمة وواسعة لحقوق الإنسان. ويُذكرنا أيضاً بضرورة الإسراع بحماية أولئك الذين وقعوا رهينة المعارك أو القمع الأعمى. لقد أصبح من المشروع طرح السؤال التالي: من هو الذي يحمي المدنيين السوريين بشكل أفضل حالياً: الولايات المتحدة أم جبهة النصرة، هذه المجموعة المسلحة ذات النزعة الجهادية، والتي وضعتها الولايات المتحدة على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية؟ هذه هي المرحلة التي وصلنا إليها، إنها بعيدة جداً عن "الممرات الإنسانية" التي اقترحها وزير الخارجية الفرنسي سابقاً آلان جوبيه في شهر تشرين الثاني 2011 وشباط 2012، بعد سقوط الشهيد الأول في الأحياء المُحررة في حمص. سيكون هناك قريباً أزمة إنسانية على نطاق واسع بالإضافة إلى المجازر والتدمير الشامل.
     إن أسوأ ما في الأمر هو أنه تم التطرق علناً إلى فرضية التدخل الخارجي، ولكن في حالة واحدة هي: قيام النظام باستخدام أسلحة الدمار الشامل. بمعنى آخر، أصبح الرئيس بشار الأسد حرّاً بشن حرب تقليدية على شعبه مترافقة مع الأعمال الوضيعة التي تقوم بها ميليشياته. هناك عدة مؤشرات حول استخدام غاز يشل عن الحركة في حمص خلال شهر كانون الأول. إن رفض الحكومات الغربية الأخذ بعين الاعتبار هذه المؤشرات، يدفع إلى الاعتقاد بأن اللجوء إلى بعض الأسلحة الكيميائية، يمكن التسامح بشأنه بشرط استخدامه حصراً داخل المسرح السوري.
     لم يتوقف النظام السوري عن اختبار ردود الفعل الدولية عبر المجازر والقصف الأعمى بالطائرات والصواريخ. يشبه ذلك رواية الكاتب السوري سعد الله ونوس عن سكان القرية العاجزين عن تقديم شكوى إلى الملك حول الأضرار التي خلّفها وراءه الفيل المُفضل للملك. إن أقل ما يمكن قوله هو أن بشار الأسد يعتقد بأنه ما زال حراً بأن يفعل ما يشاء.
     اعتقدنا أن غياب العمق الإستراتيجي هو السبب في عدم قدرة المتمردين على تحقيق نجاح حاسم لوحدهم. ولكن فقدان السيطرة على المنطقة الشمالية أظهر، على العكس، قدرة النظام على التأقلم من خلال تمسكه بالمحاور التي يعتبرها أساسية من أجل بقائه. في مثل هذه الظروف، إن انتظار تقدم المعارضة خطوة أخرى من أجل تزويدها بالأسلحة التي ستسمح لها بالتخفيف من الخسائر الدامية، سيكون خطأ إستراتيجياً.   
     أدت الانشقاقات إلى تعزيز العصبية الخلدونية للعائلة الحاكمة، والتي تحدث عنها ميشيل سورا في كتابه: "الدولة البربرية". وذلك لدرجة أن عدداً كبيراً من المراقبين يعتبرون حالياً أن هزيمة بشار الأسد ربما لا تعني انتصاراً للمتمردين، لأن هذا السقوط سيكون ثمنه التدمير الكامل المادي والمعنوي للبلد. إن هذا الاحتمال يفتح الطريق أمام تنبؤات أولئك الذين يعتبرون بأن نظام الأسد الدكتاتوري هو أقل الشرور، دون رؤية أنه كان يُغذي التمرد الذي اندلع في شهر آذار 2011. إن التحذير ضد نفوذ الجهاديين، وعدم رؤية أن التخلي عن ساحة المعركة لن يؤدي إلا إلى تغذية الجهاد العالمي، وخاصة عندما ننجح في التحرك ضد قوافل سيارات البيك آب في مالي.