الصفحات

الاثنين، 18 شباط، 2013

(أتارب، آلام ما بعد الأسد)


صحيفة اللوموند 18 شباط 2013  بقلم مراسلها الخاص في سورية (أتارب) كريستوف عياد Christophe Ayad
     دخل رجل في حالة هياج شديد، خلع حذاءه وعمامته، وبدأ بالكلام بصوت يمتزج فيه الغضب والشكوى: "من أنا حتى يُعاملوني بهذا الشكل؟ ماذا فعلت؟ لقد جُرحت برأسي أثناء تحرير القاعدة 46، واستشهد أخي. لدي خمسة أطفال، وأقوم الآن بإعالة أطفالهم الثلاثة أيضاً". توقف الرجال الجالسون عن التدخين والسلاح بقربهم. بدأ صوته يرتعش عندما قال: "هذا المجرم الذي لا ينفع لشيء، لا أريد حتى أن ألفظ اسمه، يسمح لنفسه الآن بدخول منزلي وتهديدي بسرقة سلاحي لأنني كنت أملكه قبل الثورة. ولكن كان لدي رخصة نظامية من الدولة. يقول لي الآن: إذا أعطتك الدولة رخصة، فهذا يعني أنك من الشبيحة وخائن. إنه يُهددني في كل مرة يراني فيها قائلاً: أعطني سلاحك، أعطني سيارتك أو سأقوم باعتقالك يا شبيح!".
     أجهش (أبو غوراني) بالبكاء بعد هذه الخطبة المسهبة. نظر المقاتلون إلى السقف نظرة تختلط فيها السخرية والانزعاج. تنهد قائدهم رياض عبيد، وهو شرطي سابق اعتاد على ممارسة السلطة، وأشعل جهاز التوكي ـ ووكي وقال إلى (أبو دحداح): "هناك شخص يُهدد المدعو (أبو غوراني)، قل لرجالك أن يتوقفوا عن تهديده". أجهش (أبو غوراني) بالبكاء مرة أخرى مثل الأطفال وهو على ركبتيه في وسط الغرفة، فقال له رياض عبيد: "يكفي، يكفي، خذ هذه الورقة. إذا تعرضت لمشكلة، قم بإظهارها!". ثم كتب عدة كلمات بسرعة، وسمح بانصراف هذا الرجل المسكين الذي تمخّط في كوفيته بصوت عال.
     بالنسبة لبعض السوريين مثل (أبو غوراني)، إن للحرية أحياناً طعم المرارة والفوضى والتعسف. لقد تحررت أتارب، ولكنها حرية متوحشة. يعود تاريخ "التحرير" إلى شهر تشرين الأول 2012 عندما تمت السيطرة على القاعدة 46، وهي ثكنة عسكرية كبيرة مساحتها ستة كيلومترات مربعة، وتقع بالقرب من المدينة. منذ ذلك الوقت، غادر أغلب سكان أتارب البالغ عددهم أربعين ألف نسمة إلى تركيا أو إلى المنطقة الحدودية هرباً من المعارك، ثم عادوا إليها ليكتشفوا مدينة تعرضت للقصف والنهب والتدمير.
     دفعت مدينة أتارب ثمناً باهظاً لهذه الثورة بسبب قربها من الثكنة العسكرية الكبيرة التي كان النظام يستخدمها لقصف المناطق المحيطة بها حتى مسافة ثلاثين كيلومتراً. قال (أبو معتصم): "دخل الجيش إلى أتارب في شهر شباط 2012. قمنا بطرد الدبابات من المدينة في نهاية شهر حزيران. ولكن الجنود استطاعوا تدمير كل ما لم يستطيعوا حمله". ثم تراجع الجيش إلى القاعدة 46، وبدأ بقصف المدينة. كان لا بد من خمسة أشهر آخرى من الحصار الإضافي لإسقاط هذه الثكنة الكبيرة التي يستولي عليها اليوم عدة مجموعات ممن المتمردين.
     (أبو معتصم) هو أحد الضباط الشباب المنشقين والعلمانيين. إنه يرد باقتضاب عسكري وبدقة حسابية على الأسئلة. كم يبلغ عدد السجناء؟ "سبعون من أصل 350 جندي". أين هم؟ "في سجن عتارب بانتظار محاكمتهم". ما هي الترسانة التي استوليتم عليها؟ "17 مدرعة خفيفية ودبابة، 13 قاذفة صواريخ، 6 مدافع و8 سيارات بيك آب". والصواريخ المضادة للطائرات؟ "بالتأكيد، صواريخ IGLA!". منذ ذلك الوقت، يتجنب نظام بشار الأسد إرسال طائرات الميغ والسوخوي للتحليق فوق أتارب، ويُفضل اللجوء إلى الصواريخ المتوسطة المدى التي يُطلقها اعتباراً من حمص أو حماة. أكد هذا الضابط سقوط "أربعة صواريخ Luna وثلاثة صواريخ سكود"، ولكنها سقطت في الحقول أو المزارع المنعزلة.
     إن حياة المقاتلين في القاعدة مبنية على قوانين الحرب البسيطة، ولكن المدنيين لا يعرفون ما هو القانون الذي يجب الالتزام به في المدينة. يجب إعادة بناء كل شيء: البيوت والمؤسسات والعقول والقلوب. إن المطلوب هو الابتكار أكثر مما هو إعادة البناء، لأن المسألة ليست العودة إلى القواعد القديمة. هذا هو الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع. كيف يمكن إشاعة النظام عندما يكون النظام السابق ظالماً؟ كيف يمكن تحقيق العدالة التي كانت تعني الحكم التعسفي سابقاً؟ ما هي القوانين التي يجب تبنيها عندما لا يكون هناك قواعد؟ ماذا نتقاسم عندما تكون المعدة خاوية؟ إن أتارب كبقية المدن في الشمال، تقوم بتجربة هذا الفيروس المخيف الذي يُطلق عليه اسم الحرية. يمكن تكوين فكرة عن سورية الغد كلما تقدم التمرد شيئاً فشيئاً.
     الملاحظة الأولى هي أن كل شيء يخضع لاعتبارات محلية. إن ما يمكن تطبيقه في أتارب، لا يمكن تطبيقه في تفتناز وسلمى وحارم. من المفترض أن يقوم الإئتلاف الوطني السوري بتوحيد  المعارضة في الداخل والخارج، ولكن يبدو أنه لا يُسيطر على الأحداث. يتعلق كل شيء بموازين القوى المحلية بين المقاتلين المنتصرين والوجهاء المحليين. اختارت أتارب مجلساً مدنياً ومجلساً عسكرياً. من المفترض أن يقوم العسكريون بإطاعة المدنيين، ولكن بعض المدنيين هم من المتمردين المسلحين. تم إنشاء محكمة ولجنة للمساعدة والإغاثة. يبدو أن كل شيء واضح وبسيط، ولكن الأمور لا تجري لوحدها.
     تم تعيين أول مجلس بلدي في أتارب "بالتوافق". اعترف أحد أعضاء المجلس القديم المحامي عبد الحميد حاج بكوس Abdel Hamid Haj Bakkous قائلاً: "لم نكن ندرك صعوبة هذه المهمة". لقد تعرض المجلس القديم بسرعة للاعتراضات بسبب انعدام النتائج. قال هذا المحامي: "لا تصل المساعدات إلى هنا. تحصل إعزاز وعتمة ودانا على جميع المساعدات لأن هذه المدن أكثر قرباً من الحدود التركية. إنه ظلم لأن أتارب دفعت الثمن بالدم. يأتي الجميع ليزورنا، تأتي منظمات غير حكومية وحكومات  أجنبية بالإضافة إلى الإئتلاف الوطني السوري لكي يسألونا ما هي احتياجاتنا. إنهم يأتون ويطلقون الوعود ثم يذهبون ولا نراهم إطلاقاً بعد ذلك"، وأضاف أن فرنسا قدمت مساعدة كبيرة لإصلاح تمديدات المياه والخزانات المتضررة بسبب رصاص القناصين.
     قام المكتب الإنساني التابع للإئتلاف بتوزيع المساعدات الغذائية مرة واحدة، وتضمنت كل جعالة: 2 كغ من الرز، 2 كغ من السكر، 1.5 كغ من العدس والفول، 7 كغ من الطحين والمعكرونة. ولكن هذا المكتب لم يعد بعد ذلك إطلاقاً. قال أحد أعضاء لجنة توزيع المساعدات الإنسانية عبد القادر ياسين الذي ليس لديه شيئاً للتوزيع: "هل يجب أن نموت من الجوع والبرد بعد أن نجونا من الرصاص والقنابل؟ لقد كذبتم علينا! قلتم لنا: حرروا أنفسكم وسنساعدكم، ولكن لم نحصل على شيء". من وقت لآخر، تأتي إحدى المنظمات التركية أو العربية غير الحكومية لتفريغ شاحنتها بسرعة. قال عبد القادر ياسين: "المحظوظون هم الذين يكونون موجودين عند تفريغ الشاحنة، ويحصلون على ما يريدون. أما البقية فلا يعرفون إلا متأخرين. لا يوجد تنظيم، كل شخص يأخذ ما يستطيع أخذه".
     تعيش عائلة الأرملة (أم أحمد ـ 45 عاماً) بفضل الراتب (4000 ليرة) الذي تحصل عليه بصفتها أرملة، ولكن يجب عليها الذهاب إلى حلب في المنطقة الحكومية للحصول على هذا المبلغ. يجب عليها المرور عبر الحواجز العديدة التي قد تعتقل الشباب. كما تقوم (أم أحمد) أيضاً ببيع الشوكولا المستوردة من تركيا، ويقوم إبنها ببيع الشاي في الشارع ويجمع القمامة مقابل بعض المال.
     يأتي طحين الفرن من حلب أيضاً بفضل حيلة يُغمض النظام عينه عنها لأن لديه مشاكل أخرى. من الصعب أحياناً فهم منطق هذا النزاع الذي تقوم فيه الحكومة بتموين فرن للخبر، بعد أن قصفته قبل عدة أشهر، وتسببت بموت 15 شخصاً. يحصل المعلمون على راتبهم على الرغم من أن قلّة منهم يتابعون التدريس، ويقوم بعض الطلاب العاطلين عن العمل بإلقاء هذه الدروس مجاناً.
     يسود هذا الوضع غير المعقول في مستوصف الدولة أيضاً. يحصل الأطباء على رواتبهم، ولكن ليس لديهم أدوية ويتجنبون معالجة المرضى خوفاً من تسريحهم بسبب عملهم في المناطق المتمردة. من أجل إخفاء هذا الوضع غير المعقول، قام إبراهيم ضرار بافتتاح مركز صحي عشوائي في مستودعه للسيراميك: وضع قطعة قماش كبيرة على حبل لفصل "غرفة العمليات"، وتم وضع الأدوية على رفوف معدنية. قال ابراهيم ضرار بهدوء: "نستقبل ما بين 15 إلى 30 شخصاً يومياً. إنهم بشكل خاص الأطفال الذين يعانون من الحمّى وأمراض مختلفة. يعمل الأطباء هنا بشكل سرّي وبدون مقابل. نحتاج إلى طعام وأدوية. هل هناك مبالغة في هذا الطلب؟ إذا جاء الشيطان غداً لمساعدتنا، سأمنحه سقفاً يعيش تحته. نريد العيش بأية وسيلة مهما كانت".
     كان المجلس المحلي قد أعلن قبل يوم عن مضاعفة سعر الخبز مرتين ليصبح خمسين ليرة بدلاً من 25. أدى ذلك فوراً إلى نزول عشرات الأشخاص الشارع، ووصل عدد المتظاهرين إلى 400. خاف الرجال المكلفين بالأمن، وبدؤوا بإطلاق النار في الهواء لتفريق المتظاهرين. ساد الذهول والغضب، وقال التاجر حسن عبد الرحيم غاضباً: "لقد أسقطنا بشار لكي يُعاملونا بهذا الشكل. ليرحلوا جميعاً".
     انتشر في مدينة أتارب منطق "الترحيل" بشكل كبير، وذلك منذ رحيل الجيش. كما لو أنه ليس هناك أية سلطة قادرة على تحقيق مطالب السكان المُنتشين بجرأتهم الخاصة. تم إسقاط أول مجلس بلدي "توافقي" بعد شهر واحد على تشكيله في بداية شهر كانون الأول 2012، وذلك عندما اعتبر بعض الشباب أن هذا المجلس ليس ثورياً بما فيه الكفاية. تنهد المحامي عبد الحميد حاج بكوس، وهو أحد البورجوازيين المحترمين بعيون زرقاء ومتزوج بفتاة أرمنية من حلب، قائلاً: "قاموا بتنظيم انتخابات". ولكن في الحقيقة، إن حق التصويت والترشيح كان محصوراً فقط بالمتمردين المسلحين الذين نصّبوا أنفسهم ثواراً ومن الرجال فقط: قام بالتصويت 300 شخص، وتم انتخاب 52 شخصاً، إنها مهزلة. قال عبد القادر ياسين متأسفاً: "إن الديموقراطية عملية تعليم طويلة، وليس لدينا الوقت. يعمل كل شخص بمعزل عن الآخرين، وليس هناك تنسيق.  أصبح الناس يشعرون بالارتياب".
     سبب هذا الارتياب هو اختفاء 75 ألف ليتر من المازوت كانت مخصصة للفرن الذي يُغذي المدينة وحوالي عشرين قرية مجاورة (أي حوالي 120 ألف نسمة). ربما تعرض هذا المازوت للسرقة لكي يتم بيعه بسعر أعلى في السوق السوداء. للتعويض عن ذلك، قرر المجلس البلدي رفع سعر الخبز. وهذا هو السبب في العقاب الجماعي الذي فرضه السكان بشكل خاص على "الكتائب الأمنية" المكلفة بالحفاظ على النظام... وحماية الفرن ومستودعات المازوت. قال التاجر حسن غاضباً: "إنهم يقومون بابتزازنا وإساءة معاملتنا ويسرقون خبز الشعب".
     استقال المجلس البلدي بأكمله بعد المظاهرة التي تم قمعها، وذلك في جو تسوده  العصبية. قرر أحد الرجال تحمل المسؤولية لتجنب الفوضى الناجمة عن الفراغ، إنه خالد السيد: رجل ملتحي وذو بطن كبير وحواجب سوداء. إنه شخص ودود ومُدهش في الوقت نفسه، إنه أستاذ في الشريعة الإسلامية، وبهذه الصفة تم تعيينه قاضياً في أتارب. يقوم بعمله بمساعدة المحامي عبد الحميد حاج بكوس وأستاذ آخر. يقوم القاضي خالد السيد بإلقاء خطبة الجمعة في الجامع بشكل منتظم، إنه رجل يحظى بالاحترام، ويُطلق عليه السكان: "الشيخ". إنه يتحمل المسؤولية الجسيمة المتعلقة بقرار مصير الجنود الأسرى في القاعدة 46. قال "الشيخ" وهو ينظر إلى أحد الضباط العلويين أثناء التحقيق معه: "أحاول قدر الإمكان تفضيل تبادل الأسرى للحفاظ على الحياة الإنسانية".
     يبدو أن هذا الضابط العلوي كان شارداً، ولكن من الواضح أنه يتلقى معاملة جيدة منذ اعتقاله. لقد قام بإعطاء أرقام الهواتف الجوالة لأقربائه في هيئة الأركان. قال القاضي: "هذا الشخص كان يقصف المدنيين يومياً. إذا لم نتوصل إلى مبادلته، ربما يتم الحكم عليه بالإعدام". لقد تم تنفيذ حكم الإعدام بتسعة معتقلين حتى الآن من قبل فصيلة تنفيذ الإعدام. بإمكان السجين أن يطلب آخر طلب له قبل العودة إلى الزنزانة: "علبة سجائر ولباس شتوي"، فرد عليه الشيخ قائلاً: "سنعطيك الملابس غداً، ولكن عليك أن تنسى السجائر!".
     استلم الشيخ زمام الأمور بعد يوم من المظاهرة، ودعا إلى اجتماع عام في الجامع. حضر 200 مُصلّي بعد صلاة الظهر على الرغم من البرد القارس في شهر كانون الثاني. حدد خالد السيد قواعد النقاش قائلاً: "لنتفق يا إخواني: لن نستخدم السلاح إطلاقاً لنقاتل بعضنا البعض. جميعنا مسلمون وأطفال الله. ثانياً، نحن هنا لنتحدث عن جميع المشاكل. يستطيع كل شخص أن يقول ما يريد، ولكن بدون اتهامات بلا دليل. يجب أن يكون هناك أسماء ووقائع، وبدون شتائم ومشاجرات. عليكم بتسجيل أسمائكم، وسنعطي حق الكلام بالدور!". كان النقاش صريحاً جداً، وتضمن جميع أنواع الانتقادات مثل: التعدي في استخدام السلطة من قبل الكتيبة الأمنية التي تقوم باعتقالات بسبب كلمة "لا" أو "نعم"، وتهريب المازوت، وعدم كفاءة المجلس السابق الذي ليس لديه اتصالات خارجية، والتلاعب بالانتخابات، وسيل من الانتقادات التي تُهدد بإثارة النزاعات. يقوم الجميع بالانتقاد، ويريدون إقناع الآخرين، ولا أحد يصغي للآخر.
     عندما بدأ الصخب يهدد هذا الاجتماع، صرخ أحد معاوني القاضي قائلاً: "تكبير!"، فقال الجميع بصوت واحد: "الله أكبر!" مرتين وثلاث مرات حتى عاد الهدوء. ثم استؤنف النقاش: هل يجب انتخاب أخصائيين أم أشخاص عامّين؟ هل يجب طرح عرض أسعار من أجل الفرن الآلي؟ من يجب أن يقوم بحماية هذا الفرن؟ اقترح أحد المتمردين أن تقوم جبهة النصرة ـ مجموعة أصولية متمردة تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية ـ بحماية الفرن، وقال: "إنهم الشرفاء الوحيدون. أقول هذا وأنا أنتمي إلى الجيش السوري الحر، ولكن هذا الجيش نسي الشعب، إنه منقسم إلى مجموعات صغيرة تتنافس فيما بينها على المال والسلطة".
     جاء معاون رئيس الأمن ليدافع عن سمعته حاملاً مسدسه على خصره. سأل أحدهم القاضي عمّا فعله بالأموال التي حصل عليها مقابل مبادلة الشبيحة الذين تم الإفراج عنهم مقابل الفدية. وانتقده شخص آخر بأنه يقوم بالمحاكمات وراء أبواب مغلقة. غضب الشيخ وهدد بالاستقالة. صرح أحد الأطفال: "نعم، إرحل!". قام الحاضرون بإسكات الطفل. إنها تجربة مُغرية وعفوية وشجاعة للديموقراطية المباشرة، ولكن يبدو أنه محكوم عليها بالفشل بسبب عدم وجود دعم مادي.
     نهض شاب لا يتجاوز عمره عشرين عاماً، وبدأ يتحدث بصوت منخفض لكي يجذب الانتباه إليه، وقال: "إخواني، لدينا بالتأكيد مشاكل من جميع الأنواع، ولكن مشكلتنا الحقيقية الوحيدة هي هؤلاء الجواسيس الموجودين بيننا. نعم، إنهم جواسيس فرنسيون يعملون ضدنا، ويقتلون المسلمين في مالي. يريد الغرب تدمير سورية. إخواني، انضموا إلى العلم الأسود المُغطى بجملة بيضاء مقدسة". إنها اللافتة السلفية التي كُتبت عليها الشهادة الإسلامية. كان هناك حول هذا الرجل حوالي خمسة عشر صبياً تتراوح أعمارهم بين 5 و15 عاماً، كما لو أنهم نائمون مغناطيسياً. قاطع الشيخ هذا الرجل قائلاً: "شكراً يا أخي، ولكن لننسى الغرب ونحاول حل مشاكلنا بأنفسنا".
     أنهى الشيخ الاجتماع بالإعلان عن حل الكتيبة الأمنية. تم وضع رئيسها تحت الإقامة الجبرية، وتم استبداله بمعاونه. لن تتضمن الكتيبة الأمنية المستقبلية إلا رجال شرطة سابقين ومتفرغين لحفظ النظام. كما تم استبدال المجلس البلدي مؤقتاً بـ "مجلس الحكماء" الذي لن يحق له ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة التي تم تأجيلها إلى إشعار آخر. فيما يتعلق بالقاضي ـ الشيخ، فقد استقال. إنه لا يشعر بالمرارة ولا بالغضب، وقال عند خروجه من الجامع: "إنها ليست مهنتي، ولا أريد التشبث بها. نحن لا نتصف بالكمال، ولكننا نحاول تقديم أفضل ما لدينا. تحتاج الديموقراطية إلى المعرفة والتسامح. بعد كل ما عانيناه، ليس أمامنا خيار آخر إلا النجاح".