الصفحات

الثلاثاء، 26 شباط، 2013

(أسباب الثقة غير المعقولة للقادة السوريين)


صحيفة الفيغارو 26 شباط 2013 بقلم جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     تغرق سورية بالفوضى، ولكن يبدو أن قادتها واثقون بالمستقبل على الرغم من عزلتهم الدولية. يُلاحظ جميع زورار الرئيس بشار الأسد أنه "هادىء ويبدو واثقاً من الانتصار في الحرب ضد الإرهاب" حسب التعبير الذي تستخدمه دمشق لوصف معارضيها. هل هو الانطواء الذي يتصف به جميع الدكتاتوريين؟ أم الثقة بالدعم الروسي والإيراني؟ أم ضعف خصومه؟ قال أحد الصناعيين الذين لديهم اتصال مع القادة البعثيين: "يتخيل القادة السوريون أنفسهم خالدين، ويعتقدون أن الوقت يمضي لصالحهم مع تدهور الوضع على الأرض، لأن الناس الذين يعانون من نقص المازوت للتدفئة سيتحسرون في النهاية على أيام ما قبل الأزمة".
     يشعر الأمريكيون والروس بالخوف من الفوضى المتزايدة وانتقال العدوى إلى لبنان والأردن، ويريدون حلاً تفاوضياً للأزمة. "ولكنهم يختلفون حول مصير الأسد" كما أكد أحد المسؤولين الأمميين المتابعين لهذا الملف، وقال هذا المسؤول: "إن الروس ليسوا متمسكين بالأسد، ولكنهم يكررون بأنه ليس الغرب الذي يقرر مصيره. يقول لنا الروس: إذا قرر الرحيل، نحن موافقون، وإذا لم يرحل، يجب تنظيم انتخابات، والسوريون هم الذين سيقررون". يعتقد بشار ـ زوجته ليست حامل بخلاف ما تقوله الإشاعات ـ الموجود في برجه العاجي أنه ما زال قادراً على أن يجمع حوله الأقليات (30 %) وبعض السنة الذين يشعرون بالقلق من وصول سلطة إسلامية ومن الفوضى التي ستطول. إن تفوقه العسكري الساحق والدعم الإيراني الثمين في مجال مراقبة الاتصالات، جعل السلطة تراهن على عودة الهدوء في بعض المدن التي عادت تحت سيطرتها مقابل الفوضى السائدة غالباً في المناطق المحررة. أدرك المعارضون الانقسام الحاصل، وهم يسعون إلى الإسراع بتشكيل حكومة تكنوقراطية من أجل الاقتراب من السكان.
     أصبح هناك مئات المجموعات المسلحة في أنحاء سورية. من المستحيل رسم خارطة سياسية أو عسكرية لسورية المتمردة. إن الوضع في إحدى المدن لا يشبه إطلاقاً مثيله في المدينة المجاورة لها، ولم يظهر أي زعيم كاريزمي من هذا المزيج المعقد. يدعم المتمردون الإئتلاف الوطني السوري لسبب وحيد هو أن عرّابه القطري دعمهم بالمال والسلاح في أحد الأوقات. ولكن عندما يتوقف هذا الدعم، تتجه أنظار قادة الحرب إلى جهة أخرى. وهذا هو السبب في عمليات الابتزاز التي يرتكبها المتمردون من أجل إجبار المسيحيين الذين لا يشاركون في التمرد على دفع "الضريبة الثورية"، كما حصل بالقرب من Lahjat ( قد تكون قرية اللجاة بالقرب من درعا) في الجنوب. ويقوم بعض المتمردين ببيع الأسلحة التي تصلهم، الأمر الذي دفع بأحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية إلى أن يطلب عدم إرسال الأسلحة إلى المتمردين عبر تركيا لأن بعضهم قام ببيعها إلى الجيش النظامي أو إلى الجهاديين في جبهة النصرة.
     تعتبر الولايات المتحدة أن جهاديي جبهة النصرة إرهابيون، ولكنهم هم الوحيدون الذين يحصلون على السلاح والمال بشكل مستمر من قبل المانحين في الخليج. يحصل كل مقاتل في جبهة النصرة وسطياً على 150 دولار شهرياً مقابل 70 دولار للآخرين، وهذا ما يُفسّر ازدياد عددهم. ولكن لا يجب المبالغة بأهمية الحركة الجهادية التي لا تتجاوز 5 ـ 10 % من عدد الرجال المسلحين البالغ عددهم 150.000 مُسلح في سورية، أي حوالي عشرة آلاف رجل منهم ثلاثة أو أربعة آلاف أجنبي. وهذا بعيد جداً عن موجة الإرهابيين الأجانب المُرعبة التي يُلوّح بها النظام.
     لكي يحمي النظام نفسه من الفوضى المتزايدة، هناك ميل نحو الانطواء على طائفته وعائلته. لقد سيطر المتمردون على جزء كبير من المناطق القريبة من دير الزور، وقامت القبائل الغاضبة من الفوضى بجمع الأموال لتسليح خمسة ألاف رجل على الأقل. لقد خسر بشار الأسد أوراقاً إستراتيجية هامة في هذه المنطقة (سد الفرات والحقول النفطية والقواعد العسكرية) على الرغم من قلّة انشقاقات كبار المسؤولين السياسيين أو العسكريين. إنه يضعف ببطء ولكن أكثر فأكثر. هل سيستطيع الاستمرار طويلاً بتمويل جيشه وميليشياته أو دفع ثمن الأسلحة الروسية نقداً كما تطلب موسكو؟ أكد أحد الخبراء الفرنسيين أنه لن يستطيع الاستمرار لأكثر من شهر حزيران، ولاحظ أن النظام قام بإخراج جزء من أمواله نقداً إلى مصارف دبي عبر حليفه العراقي. إن هذا الضغط المتزايد ليس غريباً عن بعض بوادر الانفتاح التي قام بها الأسد مؤخراً.
     هذا هو السبب في وصول قوافل المساعدات الإنسانية التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى اللاجئين الذي يعيشون في حالة فقر مُدقع في الشمال. قال أحد الدبلوماسيين في بيروت: "عندما كان أحد الأحياء يخلو من سكانه في السابق، كان الجيش يستمر بقصف الحي لكي يُظهر للسكان بأنهم لن يستطيعوا العودة إليه بسبب المتمردين المختبئين، ويترك السكان لوحدهم أمام الأنقاض. أما اليوم، فقد تراجع قصف الطائرات، كما لو أن النظام يسعى إلى تخفيف الضغط". وذلك في الوقت الذي تظهر فيه احتمالات التفاوض بين المعسكرين.
      إذا كان بعض كبار المسؤولين يُفكرون بإمكانية فقدان حلب وشمال سورية حتى حمص، فإن أولوية النظام ما زالت الحفاظ على دمشق. إنها حصن يحيط به مئة ألف جندي جاهزين للانتشار، بالإضافة إلى جميع الجنود الإضافيين مثل المجرمين المُسلحين الذين ينتشرون حالياً في شوارع العاصمة. حذر الصناعي المُقرّب من النظام قائلاً: "قيل لي على أعلى مستوى أنه في حال سقوط بشار، ستُصبح سورية الصومال الثانية، لأن كل حي لديه زعماء حرب سيُقاتلون ضد السلطات الجديدة".