الصفحات

الخميس، 14 شباط، 2013

(في دمشق، حصن بشار)


مجلة اللوبوان الأسبوعية 14 شباط 2013بقلم مراسلها الخاص في دمشق مارك نيكسون Marc Nexon

     لا شيء يُزعزعه، نوافذ مكتبه تهتز، والأرض تهدر، ولكن اللواء المُتحصن في بناء محمي جداً بمركز المدينة يدرس ملفاته. كان جالساً تحت صورتين للرئيس السابق حافظ الأسد وابنه بشار، أظهر آخر أعماله وهي عبارة عن لافتة موجهة لتهدئة سائقي السيارات العالقين في زحمة السير على مدخل الحواجز العسكرية، وكُتِب عليها: "شكراً لتعاونكم. نحن هنا من أجل أمنكم". كشف أيضاً عن تصريحات الانتصار القادم التي تمت كتابتها من الآن! قال اللواء رافعاً إحدى أوراقه: "هذه الورقة سأنشرها بعد ثلاثة أيام عند تطهير الأحياء الجنوبية". إن ضابط المدرعات مُخلص لعائلة الأسد منذ ثلاثة عقود، ولا يُساوره أدنى شك، ولكنه أراد عدم الكشف عن اسمه. لا يهم إذا كان القصف يشتد على بعد 2 كم من مكتبه، لأن دمشق كانت معزولة أو شبه معزولة عن بقية المناطق بعد ظهر ذلك اليوم. يحاول عدة مئات من المتمردين تحقيق اختراق في محيط العاصمة الشرقي والجنوبي والغربي. تم إيقاف هذا الهجوم عبر وابل من القذائف، ولكن الإنذار كان جدياً لدرجة أن تلفزيون العربية السعودي أعلن عن سقوط العاصمة. قهقه اللواء ضاحكاً وقال: "أيضاً معلومات كاذبة! إن الاستماع إليهم يعني أننا على وشك الهروب إلى لبنان!".
     دخل فجأة ضابط على صدره العديد من الأوسمة، وهو يلهث. وقف اللواء باستعداد. قال الضابط بصوت مرتجف: "سقطت قذيفتان على المدرسة التي يدرس بها أطفالي... أطلب منكم السماح لي بالذهاب إلى هناك". قام الضابط الأعلى مرتبة بإجراء مكالمة هاتفية، وحصل على الموافقة. تابع اللواء حديثه وكأس الشاي بيده قائلاً: "ستنصبون تمثالاً لنا في المستقبل لأننا قاتلنا هؤلاء الإرهابيين، إنهم أسوأ من الحيوانات!". انتهت المقابلة. دوت أصوات انفجارات جديدة وارتفعت أعمدة الدخان القاتمة في الضواحي.
     ما زال الرئيس بشار الأسد وقواته صامدين في دمشق، كما هو الحال في أغلب المدن، بعد مرور سنتين على النزاع وسقوط ستين ألف قتيل. ولكن أعداءهم تراجعوا إلى الضواحي، وشددوا ضغطهم بهدف قطع طرق الإمدادات إلى العاصمة. إنها حرب استنزاف بين متمردي الجيش السوري الحر المدعومين من جهاديي تنظيم القاعدة المستعجلين للقضاء على طاغية دموي من جهة، وبين الجيش النظامي المستعد للدفاع عن النظام باسم مكافحة الإرهاب من جهة أخرى.
     إذاً، تُقاوم دمشق وراء أبواب مغلقة. أغلقت 60 % من المطاعم أبوابها، وتخلو الشوارع من المارّة مع حلول الظلام. لم يعد بشار يظهر في الأماكن العامة، فقد كان آخر ظهور له عام 2009 إلى جانب الممثلة الأمريكية أنجيلينا جولي في فندق تاليسمان (خمس نجوم) في المدينة القديمة، وأصبح ظهوره في الأماكن العامة في غياهب التاريخ. من جهة أخرى، لم يعد هذا الفندق يستقبل الزبائن من الناحية العملية، ويقوم الجنود في الليل بمحاصرة المدينة. يحتمي الجنود وراء أكياس الرمل، ويوجهون ضوء مصابيحهم الكهربائية باتجاه السيارات العابرة التي أصبحت نادرة. إنهم يُفتشون الهويات الشخصية، ويأمرون بفتح صناديق السيارات، ويقولون أحياناً: "انتبهوا، قيل لنا أن هناك قناص في هذه المنطقة".
     تعود الحياة من جديد في الصباح، وتفتح بعض المحلات أبوابها لبيع الفواكه والخضار والبهارات والألبسة. يُلوّح بعض رجال الشرطة بأيديهم بين السيارات وأصوات زماميرها، وتمتلىء الأرصفة ببعض الشيوخ غير المبالين والطلاب والنساء المُحجبات أحياناً. الجميع غير مبالي بدوي القنابل التي يُطلقها الجيش النظامي بمعدل عشرين إلى خمسين قنبلة يومياً. في يوم الجمعة، تتجمع العائلات في المراكز التجارية التي يُعرف عنها بأنها أكثر أماناً. يلعب الأطفال بالفخار ويأكلون البوظة ويركضون حاملين بنادق بلاستيكية. قال أحد الآباء: "عندما نسمع دوي انفجار، أقول لأطفالي أن الجيش يقوم بتفجير بالونات".
     ولكن مؤشرات الاختناق موجودة، فقد تضاعف سعر الغاز أربع مرات، وينقطع التيار الكهربائي مراراً، وتصطف الطوابير أمام الأفران والمنافذ الآلية لسحب الأموال. فيما يتعلق بمحطات البنزين، فهي محرومة من الوقود، وتفرض حتى ست ساعات من الانتظار إلا إذا في حال رشوة عامل المحطة. قال (مصطفى) لأحد أصدقائه: "بسرعة! استطعت الحصول على 25 ليتراً"، وهكذا استطاعت السيارة تجاوز طابور طوله 300 متر، ووقفت في مكان منزوي حتى وصل عامل المحطة مع صفيحة بلاستيكية تحوي 25 ليتراً من البنزين لوضعها في خزان السيارة بعيداً عن عيون الآخرين. يحصل هذا التهريب في أعلى هرم الدولة، فقد أكد أحد المحامين قائلاً: "يستولي الوزراء والمحيطون بهم على المخزون لكي يقومون ببيعه بضعف ثمنه".
     من المتوقع أن تستمر فترة التقنين، لأن آلاف النازحين يتدفقون من المناطق التي وصلتها المعارك، ويتجمع النازحون في المدارس والفنادق. يعيش (أسامة) وزوجته وأطفاله الأربعة في شقة صغيرة بالمدينة القديمة مع ثلاث عائلات أخرى منذ أربعة أشهر. لقد هربوا من عين ترما الواقعة شرق دمشق عندما دمّرت إحدى القذائف مطبخ المنزل. يكسب الابن بعض المال عن طريق نقل الخضار في السوق، ولكن العائلة لا تأكل إلا مرة واحدة في اليوم، وتمضي وقتها أمام التلفاز. قال (أسامة): "كان بالإمكان فهم غضب الناس في بداية الثورة، ولكنني الآن أقبّل قدم بشار لأنه الوحيد القادر على أن يجعلنا نتجنب الفوضى".
     هذا هو الوضع. في دمشق، أدت الحرب إلى توحيد الشعب خلف قائده. اعترف عادل نعيسة، المعارض السابق الذي تم الإفراج عنه بعد 24 عاماً من السجن، قائلاً: "سنحكم في المستقبل على الأخطاء المرتكبة". لأن المدينة تعيش حالياً  مع الخوف من السجن والخطف. هناك حوالي خمسون مُختطف يومياً، من هم الخاطفون؟ إنهم مجرد بعض الأشقياء أو المجموعات التي تدعي انتماءها إلى الجيش السوري الحر المعارض للنظام. في هذا المساء، قام (عمار) بدعوة أصدقائه إلى العشاء. رنّ هاتف (عمار)، وقال بعد انتهاء المكالمة: "قال لي أحد أصدقائي أن عمّي تعرض للخطف، وأن الخاطفين يُطالبون بفدية قدرها مليون ليرة سورية". لم يتفاجأ الحاضرون كثيراً، ولا أحد يعتقد بالفائدة من الاتصال بالشرطة، واستمروا بشرب النبيذ. في اليوم التالي، روى هذا الصديق بأنه تلقى مكالمة هاتفية من الخاطفين، وقال: "لقد وضعوه في الصندوق الخلفي لأحدى السيارات، ويُهددون بقتله. قلت لهم أنني لا أملك إلا مئتي ألف ليرة. أنا بالانتظار".
     يملك زياد أبو طاري Ziad Aboutarey صالوناً للحلاقة، وقد تعرض للمصير نفسه في شهر تشرين الأول 2012. لقد اختطفه ستة رجال بلباس موحد عند خروجه من منزله، ووضعوه في قبو إحدى الفيلات. قال زياد أبو طاري والدموع بعينيه: "لقد ضربوني ثلاث مرات بالوجه الأملس للسيف، وطلبوا مني انتقاد الحكومة". في أحد الأيام، استطاع التعرّف على اثنين من جيرانه بين الخاطفين. وتابع قائلاً: "إنهم بائعو دجاج، ويشربون الكحول، وتحولوا إلى جهاديين". بعد مضي أسبوعين، قام الجيش النظامي بتحريره، ووجد 69 جثة في الحديقة. قال أحد العاملين في المجال الإنساني بدمشق مُحذراً: "من الممكن أن يُشبه الوضع قريباً ما يحصل في الصومال وعصاباتها".
     يتصاعد أيضاً الخوف من الإسلاميين الذين بدؤوا بمطاردة الأقليات. يحاول سكان حي باب توما المسيحي في دمشق التخفي، وقالت (فاطمة ـ مُعلمة مدرسة): "أرتدي رداء طويلاً لكي أذهب للدكان". وأظهرت أيضاً الآثار الناجمة عن إحدى القذائف التي سقطت في حديقة للأطفال بالقرب من منزلها، وقالت: "لقد كانت معجزة بألا تسقط أية ضحية". وعبّرت أخيراً عن استغرابها لشكوك زملائها السنة، وقالت: "سألني أحدهم: ما هو دينك؟ لم يسألني أحد مثل هذا السؤال خلال خمسة عشر عاماً. لقد  أجبته بأنني سورية!". يشعر المسيحيون في حي جوبر بالخوف نفسه، لقد اجتاحت المجموعات المسلحة هذا الحي المسلم. قالت الصحفية الأرمنية يرادو كريكوريان متأسفة: "لقد سرقوا منزلي لأنني لا أرتدي الحجاب. الجميع يهرب".
     يتعرض معقل العلويين للهجوم أيضاً، يكفي أن نذهب إلى حي المزة 86 الذي تسكنه الأقلية الشيعية الممثلة للعائلة الحاكمة. هناك الكثير من هياكل السيارات المُنفجرة على الطريق، وعمليات القصف يومية. قال أحد سكان الحي عند سماعه لصفير إحدى القذائف: "هل سمعتم؟ إنها راجمات صواريخ المتطرفين في جبهة النصرة. ليعلموا بأننا لن نستسلم أبداً؟".
     ولكن المعركة الحقيقة في دمشق تكمن في داريا الواقعة جنوب ـ غرب العاصمة. إنها موقع إستراتيجي يقع بالقرب من المطار العسكري. قام الجيش بقطع الطرق المؤدية إلى داريا، وأصبحت الشوارع المحيطة بها مهجورة. أدانت المعارضة حصول مجازر في داريا منذ عدة  أشهر، ولكن أحد الجنرالات رد قائلاً: "نقوم بمحاصرتهم، ثم نطلب منهم الانسحاب أولاً". ولكن الجيش يواجه صعوبة في السيطرة على داريا. ما هي مشكلتهم؟ إنهم القناصون. روى الجندي (علي) المحنة التي يواجهها مع وحدته خلال المعارك الأخيرة في الشوارع، وقال: "قتل قناصهم الوحيد سبعة من رجالنا. كنت أطلق النار في جميع الاتجاهات دون جدوى. لقد احتجنا إلى ثلاثة أيام للقضاء عليه. لم نشاهد إطلاقاً بندقية بمثل هذا المنظار". لقد هلل سكان الأحياء المؤيدة للنظام عندما شاركت الطائرات في المعارك، قال أحد مُصنّعي المياه الغازية (الصودا) عندما رأى إحدى الطائرات تقوم بإطلاق أربعة صواريخ: "سيكون ذلك درساً لأولئك الإرهابيين!". بغض النظر عن مصير المدنيين، قال أحد الجيران: "إنها ضربات جراحية. لا تنسوا أن رئيسنا كان طبيباً للعيون!".
     لقد فهمت السلطة، وجعلت من خطر المتطرفين أفضل ذريعة لها. ولكي تُظهر حسن نيتها، تقوم حتى بإظهار الأسرى. لقد خرج خمسة أسرى من السجن خلال الليل، إنهم خمسة طلاب تم اعتقالهم قبل ثلاثة أسابيع لأنهم حاولوا تنظيم عملية تفجير في جامعة دمشق. ينتمي (خالد ـ 25 عاماً) إلى جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. كان مُكلفاً بالتجنيد وجمع الأموال في العاصمة. إدعى أنه حصل على خمسين ألف دولار من أشخاص من قطر والسعودية خلال الشهرين الأخيرين، وسأل قائلاً: "هل أنت مسلم؟ نحن نقتل جميع المسيحيين وجميع المسلمين الذين يمنعوننا من نشر قانون الإسلام". انتهى اللقاء معه، وكانت السلطات سعيدة من تأثيرها.
     قام رئيس مجلس الشعب محمد جهاد اللحام باتهام الغرب، لقد خسر شقيقه في شهر تشرين الثاني 2012 عندما قامت إحدى المجموعات المسلحة بقتله أثناء توجهه إلى عمله، وتساءل قائلاً: "كيف يمكن لفرنسا أن تطارد المتطرفين في مالي، وترفض أن نقوم بالحرب ضد المتطرفين عندنا؟ هل هناك تأثير للاستثمارات القطرية في بلدكم على الموقف الفرنسي؟". ولكن رئيس مجلس الشعب كان أقل استفاضة فيما يتعلق بجرائم النظام، وقال: "نحن نحترم شعبنا". كانت المدافع تدوي في الخارج، وستنام دمشق خائفة هذا المساء أيضاً.
     قال خالد محجوب، أحد الصناعيين والأصدقاء المُقربين من بشار الأسد: "يشعر الجانبان بالتعب ولديهما الرغبة بالتوصل إلى تسوية". بدأت ترتسم بوادر التقارب، فقد حصلت مبادرة رئيس المعارضة السورية أحمد معاذ الخطيب بدعم الولايات المتحدة والجامعة العربية وروسيا وإيران، ولكن العقبة الوحيدة والكبيرة هي الانقسامات داخل إئتلاف "الثوار"، لأن المجلس الوطني السوري يريد إسقاط النظام بالسلاح.