الصفحات

الثلاثاء، 19 شباط، 2013

(في صيدنايا، حرب الاختطافات القذرة)


صحيفة الفيغارو 19 شباط 2013  بقلم مراسلها في صيدنايا جورج مالبرونو Georges Malbrunot

     يحرس (رفعت)، المُلثم بكوفية تحميه من الريح، أحد الحواجز على مدخل صيدنايا، أكد هذا المسيحي الذي يسكن في صيدنايا قائلاً: "أنا هنا من أجل الدفاع عن مدينتنا فقط". صيدنايا هي إحدى أهم المواقع المسيحية في سورية وتضم 12 كنيسة مُحاطة بالقرى المسلمة التي تدعم التمرد ضد بشار الأسد.
     اختار سكان صيدنايا (عشرة آلاف نسمة) المعسكر الآخر، أي معسكر النظام العلماني الذي يضمن الدفاع عن الأقليات التي تشعر بالقلق من تصاعد الراديكالية الإسلامية. تم التوصل إلى اتفاق مع السلطة منذ حوالي العام، وقام بموجبه 300 رجل من سكان صيدنايا بتشكيل لجنة الدفاع الشعبي. كان (رفعت) واثنين من عناصر الميليشيا مُتلبدين داخل المحرس المُخصص لتفتيش السيارات. وتقوم عناصر أخرى بدوريات ليلية أو بمراقبة الأديرة الثلاثة في القرية. إنهم مسلحون بالبنادق والرشاشات فقط، ولكن مُهمتهم تُريح الجيش الذي لم يعد يسيطر إلا على المدن الكبرى والشوارع الرئيسية في البلد.
     هناك ثمن لهذا التعاون مع نظام يقمع المعارضين بشكل واسع. قبل شهرين ونصف، قام سكان قرية البيضة المجاورة بقتل (يوسف) شقيق رئيس لجنة الدفاع الشعبي في صيدنايا. أشار المونسينيور يوحنا تالي Yohanna Taly، المسؤول عن دير القديس جرجس، إلى أن الجيش الحر أعلن عن جائزة لقتل (يوسف) على الفيسبوك. وقام المونسينيور بتفصيل حلقات حرب الاختطافات.
     قام الجيش السوري بقصف قرية عتال المجاورة في الصيف الماضي، مما دفع بأربعمائة شخص من سكان هذه القرية إلى اللجوء في صيدنايا. كان هناك حوالي 15 متمرداً بين هؤلاء اللاجئين، وقام رئيس الميليشيات المسيحية بالإبلاغ عنهم. وهكذا بدأت دوامة الانتقام. بعد مرور شهر على هذه الحادثة، تم أسر (حيدر) ابن رئيس الميليشيات في صيدنايا، ولم يعرف أقاربه عنه أي شيء منذ ذلك الوقت. أكد رئيس بلدية صيدنايا نيكولا زاهر قائلاً: "لدينا أسماء الأشخاص الذين خطفوه. إنهم مجموعة من المجرمين، وهم معرفون. ولكننا نعتقد بأنهم باعوه إلى الجيش الحر".
     لم يتأخر انتقام سكان صيدنايا. في اليوم التالي، تم اختطاف مئتي عامل من قرية البيضة يعملون في صيدنايا. تم الإفراج عن 180 شخصاً منهم بعد عدة أيام، واحتفظ المسؤولون في صيدنايا بحوالي عشرين رهينة لمقايضتهم، وتم وضعهم في قبو أحد الأبنية. قال (أبو ثائر)،  أحد أعضاء حزب البعث الحاكم والمُكلّف بالتفاوض مع وجهاء البيضة: "نُقدّم لهم الطعام، ونسمح لهم بالاتصال هاتفياً مع أقاربهم في البيضة. هذا هو الاختلاف الكبير مع جيراننا. نحن لا نتوقف عن المطالبة بسماع صوت حيدر". يعتقد سكان صيدنايا أن الخاطفين قتلوا حيدر. يبدو أن المتمردين لم يحصلوا على الفدية، وربما يكون ذلك هو السبب في قيام المتمردين في البيضة بخطف ستة مسيحيين آخرين وأحد المسلمين خلال الأسبوع الماضي في صيدنايا أثناء مرور حافلتهم في القرية المجاورة.
     الأمر العجيب في هذا التصعيد بعمليات الاختطاف، هو أن سكان هذه القرى ما زالوا يتعاشرون على الرغم من التوترات. هناك يومياً عشرات العمال من البيضة يأتون إلى صيدنايا للعمل في ورشاتها، كما لو أن تجارة الخطف أصبحت أمراً عادياً في سورية التي انتشرت فيها الفوضى. اعترف وزير المصالحة الوطنية علي حيدر قائلاً: "إنها سوق كبير"، وقدّر عدد المعتقلين لدى هذا الطرف أو ذاك أو لدى المجرمين الذي يستغلون عدم الاستقرار للاغتناء، بخمسة آلاف شخص. إن جميع الطوائف معنية بهذا الوضع: المسيحيون ضد السنة، والسنة ضد العلويين، وبالعكس.
     لم يجد المتمردون المفلّسون والمنعزلون عن العالم في قرية Lahjat المجاورة شيئاً أفضل من خطف بعض المسيحيين من إحدى القرى المجاورة التي لا تشارك في التمرد ضد السلطة. لم يحصل (عمار)، أحد الصناعيين المسيحيين في دمشق، على أية معلومات عن شريكه السني، وقال: "ذهب ابنه إلى إحدى الضواحي لإيصال كيس بلاستيكي يحوي ثلاثين ألف دولار تلبية لطلب المختطفين الذين وعدوه بالإفراج عن والده بعد ساعة من دفع هذا المبلغ"، ولكن الرهينة لم تظهر بعد مرور شهر على دفع الفدية.
     استقبل الوزير علي حيدر في مكتبه يوم الأحد 17 شباط حوالي عشرين ممثلاً عن مختلف المناطق السورية. من الناحية الرسمية، كان هذا الاجتماع مخصصاً للحديث عن المصالحة بين مكونات الموزاييك الذي تفتت. ولكن هذا الاجتماع تناول إعداد قوائم الرهائن للمقايضة أو المعتقلين للإفراج عنهم. تنهد الوزير المنهك تحت عبء المهمة الكبيرة الملقاة على عاتقه قائلاً: "انظروا، إنها أسماء عشرات الجنود في عندان بالقرب من حلب، وهم بأيدي إحدى  المجموعات المسلحة، سنحاول إخراجهم".