الصفحات

الاثنين، 18 شباط، 2013

(نهاية نظام استعماري)


صحيفة اللوموند 16 شباط 2013  بقلم كريستوف عياد Christiophe Ayad

     ما زلنا بعيدين عن معرفة مدى ونتائج الثورات العربية التي بدأت عام 2011. ربما تؤدي إحدى هذه الثورات إلى إسقاط النظام الذي تم رسم ملامحه قبل حوالي القرن عبر اتفاقات سايكس ـ بيكو في 16 أيار عام 1916. ترافقت هذه الاتفاقيات مع خرائط لتقاسم الشرق الأوسط بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ورسمت الحدود المستقبلية لدول هذه المنطقة.
     استمر هذا النظام الاستعماري في الشرق الأوسط بعد استقلال دول المنطقة في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتبنته النخب العسكرية القومية التي استولت على السلطة في هذه المنطقة. لقد كان صدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سورية الحراس الغيورين على الحدود التي رسمها الاستعمار رغم الانتقادات العنيفة لهذه الحدود التي قسّمت الأمة العربية الكبرى، ودعا الإثنان إلى الوقت نفسه إلى الحلم المثالي العربي. إن هذه الدكتاتوريات البعثية التي استولت على هذين البلدين المحوريين في هذه المنطقة، لم تتوقف عن زرع "قوميتها الوطنية" بشكل يُعزز هويات هذه الدول ذات الحدود التعسفية.
     قامت اتفاقات سايكس ـ بيكو بتقطيع هذه البقع العرقية والطائفية في الشرق الأوسط، وخلقت لبنان بفصله عن سورية لإرضاء الفرنسيين، وبعثرت الأكراد بين أربع دول هي: العراق وسورية وتركيا وإيران. كما وجدت مدينة الموصل السنية والمسيحية نفسها مفصولة عن "شقيقتها" حلب السورية. كما تعيش تجمعات قبلية كبيرة مثل "الشماخ" بين أربع دول هي: السعودية والأردن والعراق وسورية. وأدت تسويات أخرى إلى دفع جزء من العلويين إلى تركيا عندما تم إلحاق لواء اسكندرونة بأنقرة.
     ولكن هذه اللوحة التي تبنتها السلطات الحاكمة بعد الاستقلال، أصبحت في طريقها نحو التفتت. بدأ نظام سايكس ـ بيكو في الشرق الأوسط بالتزعزع عندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق عام 2003. أدى هذا الحدث الهام إلى إعادة تشكيل أكثر الدول قوة ومركزية في هذه المنطقة، أي عراق صدام حسين الذي كان خليطاً من حضارة بلاد ما بين النهرين القديمة والنظام السني ـ البعثي. قام المنظّرون لدى المحافظين الجدد في واشنطن بتدبير هذا الغزو وإعادة التشكيل، وأرادوا جعل العراق دولة ضعيفة وفيدرالية مبنية على المنطق العرقي ـ الطائفي. إن هذا المشروع القائم على مزيج من التيار الليبرالي الجديد ذو النزعة الاستعمارية، كان يهدف إلى القضاء على القومية العربية القديمة التي تم اعتبارها مصدراً لجميع آلام المنطقة، ولاسيما العداء الراديكالي لإسرائيل.
     ولكن إثارة التنافس العرقي والطائفي في بلد هش وممزق، فتحت الباب واسعاً أمام جميع أنواع المشاكل الناجمة عن التنافس بين الأكراد والعرب، بين الشيعة والسنة في العراق. لقد وقع العراق فريسة قوى نابذة تتمتع بقوة مذهلة، وأصبح ـ وما زال حتى هذا اليوم ـ أرضاً تلعب فيه رهانات وتدخلات خارجية. تقوم تركيا وإيران والسعودية بتحريك بيادفهم في العراق عبر زبائنهم أو عملائهم المؤثرين.
     أدت الثورات العربية إلى إضعاف الدول وأجهزتها القمعية، وبعثت من جديد الهويات والمشاعر القديمة. يكفي أن ننظر إلى كيف نشر النزاع السوري تشعباته بعمق داخل المجتمعات اللبنانية والتركية والعراقية. لقد قامت شبكات قبيلة الشماخ التي ينتمي إليها ملك السعودية بتسليح المتمردين في شرق سورية بمنطقة دير الزور.
     حصل الأكراد في سورية على حكم ذاتي بفضل النزاع السوري، ويضاف إلى ذلك الاستقلال شبه الكامل للأكراد في العراق. سيكون لذلك انعكاسات إقليمية، حتى ولو كانت الانقسامات بين الأكراد في الوقت الحالي تمنع من بروز جبهة واحدة. يشعر العلويون في جنوب تركيا وفي طرابلس اللبنانية بالخطر الناجم عن احتمال سقوط نظام خارجي. أما السنة في لبنان والعراق، فيعتبرون ذلك انتقاماً من عجزهم السياسي الحالي.
     أيقظ اختفاء دولة القذافي في ليبيا المشاعر المناطقية لدى الطوارق وقبائل التبو في الجنوب، يُضاف إلى ذلك تزايد الرغبة في  الحكم الذاتي في بنغازي الأكثر قرباً من الإسكندرية بالمقارنة مع طرابلس الغرب. إذا استمرت هذه الحركة، فإنها ستصل بالتأكيد إلى دول الخليج التي تتعرض فيها أقليات شيعية هامة إلى التمييز الطائفي في البحرين والسعودية والكويت.
     هل ستؤدي هذه التغييرات الكبيرة إلى إعادة النظر في الحدود الموروثة من الاستعمار؟ هذا غير مُحتمل ما دام ذلك من المحرمات الدولية، ولاسيما في هذه المنطقة من العالم التي تمتلك أهم الاحتياطيات النفطية في العالم. ولكن لن تعود الأمور إلى سابق عهدها، وهذا ما أدركته العديد من الشركات النفطية المتعددة الجنسيات مثل: إكسون موبيل وتوتال وشيفرون الذين يتعاملون الآن بشكل مباشر مع الكيان الكردي في العراق دون أن تُكلف نفسها عناء إبلاغ بغداد. فيما يتعلق بالحكومات الغربية، يبدو أنها بطيئة جداً لدرجة تمنعها من التفكير بسقوط  العالم الذي بنته خلال الحرب العالمية الأولى.