الصفحات

الثلاثاء، 26 شباط، 2013

(سورية: اتركونا نُعالج الناس)


صحيفة الليبراسيون 26 شباط 2013 بقلم رئيس منظمة أطباء العالم (Médecins du monde) تييري بريغو Thierry Brigaud والمدير العام لمنظمة أطباء العالم بيير سالينيون Pierre Saligino

     يستمر الوضع في سورية بالتدهور، وأعمال العنف ضد المدنيين لا تُطاق. إن هذه الحرب عار: إعدامات بلا محاكمة، تحويل السكان إلى رهائن وقصفهم، اعتقال الأطباء وابتزازهم وتعذيبهم، وليس هناك ملجأ للاحتماء به. إن هذه الحرب نزاع غير متوازن مع حكومة تستخدم الترهيب كسلاح حرب والاضطهاد من أجل القضاء على ثورة بدأت سلمياً في شوارع البلد ضد نظام دمشق. كيف يمكن الاستهزاء بحقوق الإنسان والحق الإنساني الدولي إلى هذه الدرجة؟ كيف يمكن الاعتقاد بأنه من الممكن إيصال وتوزيع المساعدة الإنسانية بشكل نزيه، وذلك في الوقت الذي تُعتبر فيه هذه المساعدة،حسب المكان والجهة المقصودة، دليلاً على المعارضة وتُعامل على هذا الشكل؟ لقد أصبحت معالجة الجرحى جريمة.
     يتلاعب النظام بالمساعدة الدولية الرسمية ويستخدمها لتحقيق مصالحه. أصبحت مساعدة ومعالجة جميع الضحايا بدون تمييز مجازفة خطيرة في هذا السياق القمعي والانتهازي. من الضروري متابعة النقاش الحالي حول إعادة التوازن بين المساعدة التي تصل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وبين المساعدة التي ما زالت تنتظرها المناطق الخاضعة للمجموعات المعارضة. لأن هذا النقاش يسمح بإظهار الخطاب المزدوج للدول المؤثرة على الصعيد الدولي التي تدّعي غالباً أنها من "أصدقاء سورية". تُطالب هذه الدول بإنهاء النزاع ورحيل الدكتاتور الدموي، ولكنها ترفض في الوقت نفسه تقديم الدعم لإيصال الإغاثة إلى المناطق المُسماة بالمحررة. ولكن إذا كان تدهور الظروف الحياتية في سورية مأساوياً، فإن إعادة التوازن إلى هذه المساعدة لن تسمح بإنهاء معاناة السوريين. لقد تعلمنا ذلك من  تجربتنا الشخصية خلال الأشهر الأخيرة.
     كانت منظمة أطباء العالم موجودة في منطقة حلب منذ بداية أعمال العنف، ولكن الحكومة السورية رفضت تجديد السماح بإقامتنا وطردتنا. لهذا السبب، اضطررنا للتدخل خارج سورية. وهذا ما نفعله منذ أكثر من عام في الدول المجاورة عبر معالجة اللاجئين الهاربين من العنف ودعم مركز لإعادة تأهيل الجرحى أو إقامة مراكز صحية للنازحين ومعالجة العائلات المتضررة. إنه غير كافي لأن أغلبية السكان تتعرض للنيران في سورية.
     لهذا السبب، قمنا سريعاً بدعم الأطباء السوريين والمدنيين الذين جاؤوا إلينا، إنهم يقومون سرّاً بتنظيم عمليات إغاثة الجرحى والمرضى قدر إمكانياتهم. يُخاطر هؤلاء الزملاء بحياتهم يومياً، ويختبئون من أجل معالجة الآخرين في المراكز الصحية الميدانية. نحن نرسل لهم الأدوية وأجهزة المعالجة والمعدات الجراحية. إنه عمل ضئيل في محيط للحاجات. ترفض الدول المانحة تمويل هذه الأعمال خوفاً من اتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية لسورية. نحن نستخدم الأموال الخاصة لجمعيتنا من أجل دعم مجموعات الأطباء الذين نسجنا معهم علاقات عمل وثقة. لقد بدأنا بعبور الحدود بشكل منتظم لأن الوضع في شمال سورية يسمح بالإقامة في المناطق الأقل تعرضاً للاضطرابات. تقوم فرقنا حالياً بدعم مراكز المعالجة الموجودة في مخيم النازحين بالقرب من تركيا. نقوم بمساعدة الممرضات والأطباء السوريين لتقديم الاستشارات الطبية. كما نقوم بإرسال الأدوية إلى حلب وحمص بسبب عدم قدرتنا على الوصول إليهما.
     ندعو إلى وقف جميع العمليات الحربية من أجل تقديم المساعدة إلى المحتاجين. هذا هو الطلب الوحيد الذي نوجهه إلى جميع الأطراف المسلحة والدول المؤثرة في المنطقة. إن إقرار هدنة سيكون تقدماً، لأن رفض دخول الإغاثات هو جريمة أخرى في هذا النزاع، ويجب إدانتها. إن إلتزام الصمت يعني التواطؤ في مجزرة تجري وراء أبواب مغلقة، وقد أدى التدخل الفرنسي في مالي إلى تحويل الأنظار عنها. لتصمت الأسلحة في سورية، واتركونا نعالج الناس!.