الصفحات

الأربعاء، 14 آب، 2013

(الحرب الباردة المضحكة بين الولايات المتحدة وروسيا)

صحيفة الفيغارو 13 آب 2013 بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     أعلن البيت الأبيض يوم الأربعاء 7 آب أن الرئيس الأمريكي ألغى لقاءه المنتظر في بداية شهر أيلول مع الرئيس الروسي في موسكو. تطرق البيت الأبيض إلى ثلاثة أسباب لهذا الإلغاء: الإساءة إلى حقوق الإنسان في روسيا، والمسائل الأمنية (بسبب تباطؤ الكريملين في مجال تخفيض الترسانات النووية بشكل مشترك وتشاوري)، وقضية سنودن Snowden باسم المنشق عن الأجهزة السرية الأمريكية الذي حصل على اللجوء السياسي في روسيا بعد أن كشف عن مدى اتساع برامج التنصت لوكالة الأمن الأمريكية National Security Agency  التي وصل تجسسها إلى بروكسل والحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة. تسرّعت أغلب وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية بالإعلان عن "عودة الحرب الباردة" بعد صدور بيان البيت الأبيض.
     هل نسينا خطورة ما كانت عليه الحرب  الباردة فعلاً؟ يعود تاريخ الحلقة الأخيرة التي أتذكرها إلى عام 1980 عندما أسقط صاروخ روسي من طراز DCA طائرة بوينغ 747 تابعة للخطوط الجوية لكوريا الجنوبية مليئة بالركاب المدنيين، وذلك بعد دخولها عن طريق الخطأ في المجال الجوي للاتحاد السوفييتي.
     من الملائم استخدام صيغة "الحرب الباردة المضحكة" من أجل تلخيص ما يحصل اليوم. لأنه لم يعد هناك مواجهة بين الصواريخ النووية الموجهة نحو المدن الكبرى للعدو بشكل يُهدد بنتائج كارثية في حال حصول أي سوء فهم. نحن اليوم في حرب إعلامية كلاسيكية صغيرة من أجل استخدامها على الصعيد الدولي والداخلي سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو روسيا. في الحقيقة، إن قضية سنودن هي السبب الوحيد لقيام باراك أوباما بإلغاء لقائه مع فلاديمير بوتين في موسكو. كان أوباما يعرف جيداً بأن المعارضة الجمهورية ستنتقده بشدة إذا أظهر "علائم الضعف" بالإبقاء على لقائه في الكريملين، نظراً لأن روسيا رفضت الطلب الأمريكي بتسليم رجل تعتبره الولايات المتحدة مجرد مجرم. لا يملك أوباما جميع السلطات في الولايات المتحدة بخلاف بوتين، ويجب على الرئيس الأمريكي الاتفاق دوماً مع الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري. كان من الأسهل إعطاء "مؤشر حازم" يترافق مع ضجة إعلامية واسعة، لأن الرئيس الأمريكي يعرف جيداً أنه لن يتراجع عن سياسة إعادة إطلاق العلاقات بين واشنطن وموسكو (التعبير الأمريكي هو reset) باعتبارها ركيزة السياسة الخارجية للإدارة الديموقراطية منذ عام 2009. أولاً، سيذهب أوباما إلى قمة دول العشرين التي ستجري في سان بطرسبورغ يومي 5 و6 أيلول. ثانياً، استقبل الكريملين بهدوء إعلان البيت الأبيض الذي أوضح بأنه أبقى على مبدأ دعوة "لاحقة" للرئيس الأمريكي إلى موسكو. ثالثاً، لم تمنع الضجة الإعلامية من مواصلة الدبلوماسية الجدية لطريقها، وانعقدت اجتماعات "2 + 2" بين وزراء الخارجية والدفاع الروس والأمريكيين في واشنطن يوم الجمعة 9 آب، وتشاوروا حول جميع المواضيع الأمنية الهامة.
     بالتأكيد، ليست هناك أية مشاعر بالتعاطف من قبل الضابط السابق في وكالة الاستخبارات السوفييتية KGB فلاديمير بوتين تجاه سنودن، ولا ينظر إليه إلا كشخص خائن. ولكن الكنز كان ثميناً جداً لدرجة أنه لا يمكن إهماله: لقد اختار أحد المدافعين عن الحريات الفردية روسيا كأرض للجوء! إن سنودن بالنسبة لبوتين يُمثل جوكر بحدين: إنه يمثل لقاحاً ضد الاتهامات الغربية بعدم احترام حقوق الإنسان في موسكو، كما يُمثل بالنسبة للرأي العام الروسي برهاناً على أن روسيا المقدسة ما زالت قوة عظمى، نظراً لأنها الدولة الوحيدة التي تجرأت على تحدي الولايات المتحدة (استفاضت الصحافة الروسية بالحديث عن رفض فرنسا لتحليق طائرة الرئيس البوليفي إيفو موراليس فوق أراضيها).
     إن الواقع الدبلوماسي هو أنه ليس هناك ملف معقد بين الروس والأمريكيين بشكل يزيد من عدائهما المتبادل. إن عدوهما المشترك هو الإسلاموية. قامت موسكو بدعم الجيش الأمريكي في أفغانستان عبر السماح بمرور التموين والأسلحة داخل الأراضي الروسية. يتقارب الروس والأمريكيون ضمنياً عبر حذرهما الإستراتيجي تجاه الصين. إن الهاجس الحقيقي لموسكو هو أن يفكر الصينيون يوماً ما بابتلاع سيبيريا التي لا يعيش فيها حالياً إلا عشرة ملايين مواطن روسي. كما أن الهاجس الأكبر لواشنطن هو أن يستولي الصينيون بالقوة على جميع موارد بحر الصين على حساب الحلفاء الأمريكيين القدماء (اليابان والفيليبين وبروناي... الخ).
     هل يختلف البلدان حول الملف السوري؟ بالتأكيد. يعتبر الروس الذين يتحالفون مع بشار الأسد أن الموقف الأمريكي يتصف بالسذاجة فيما يتعلق بتصاعد الراديكالية السنية في الشرق الأوسط. ولكن البلدان يُقدمان خدمة متبادلة مع الحفاظ على مشروع مؤتمر للسلام حول سورية. قامت واشنطن بإعطاء موسكو الدور الدبلوماسي الأول، وتمنح روسيا المزيد من الوقت إلى أوباما الذي لا يريد سماع الحديث عن حرب وقائية ثالثة (بعد أفغانستان والعراق)، ولكنه لا يتجرأ على أن يقول ذلك بصوت عالي...