الصفحات

الاثنين، 12 آب، 2013

(الاحتضار الطويل للشعب السوري)

صحيفة الليبراسيون 12 آب 2013 بقلم هالة قضماني

     كان شهر رمضان الذي انتهى يوم الخميس 8 آب الأكثر دموية منذ بداية النزاع في سورية ربيع عام 2011 مع مقتل 4400 شخص. أصبحت المجزرة أمراً عادياً، وتحصل وراء الأبواب المغلقة كما يتمناها نظام دمشق، بمساعدة المجموعات الجهادية التي نجحت بإبعاد الشهود الأجانب ولاسيما في الشمال عن طريق خطف الصحفيين وتهديد العاملين في المجال الإنساني.
     حقق النظام والمعارضة بعض التقدم وتحملا بعض الضربات، حققا بعض الانتصارات وتعرضا لبعض الفشل على الأرض. إن كل شيء مؤقت في حرب الاستنزاف غير المتكافئة والطويلة. تمثلت الحلقة الأخيرة بالهجوم بمدافع الهاون على موكب بشار الأسد في وسط دمشق عندما كان ذاهباً إلى الجامع من أجل صلاة العيد. نفت الحكومة هذه العملية يوم الخميس 8 آب، ولكنها أثارت الرعب في العاصمة التي احتفل سكانها بنهاية الشهر المقدس مع أصوات المدافع والأسلحة الأتوماتيكية. إن الضربة الأخيرة التي وجهتها المعارضة هي قيام رئيس الإئتلاف الوطني السوري بأداء صلاة العيد بهدوء في أحد جوامع درعا بعد عبوره للحدود الأردنية بشكل سري.
     كان بشار الأسد يتحدث بنبرة المنتصرين في نهاية شهر تموز، وهنأ قواته التي استعادت الجزء الأكبر من حمص بالقرب من الحدود اللبنانية. ولكن الكتائب المتمردة في الشمال هللت بعد ثلاثة أيام عندما استولت على قاعدة المنغ الجوية بالقرب من حلب: إنها نهاية معركة بدأت منذ ثمانية أشهر ضد هذا المطار الذي كانت تُقلع منه الطائرات لقصف المنطقة بأسرها. في اليوم التالي، تكبدت المعارضة خسارة فادحة عندما سقط أكثر من ستين مقاتلاً منها في كمين نصبه الجيش النظامي في ضواحي دمشق.
     شن المتمردون في الأيام الأخيرة هجوماً على معقل العلويين في اللاذقية، واقتربوا من قرية عائلة الأسد في القرداحة، الأمر الذي شكل تصعيداً استفزازياً وخطيراً. لم تحظ هذه العملية بالاجماع حتى بين المعارضين الذين يخشون من قيام المتطرفين السنة بارتكاب المجازر في القرى العلوية. قال أحد رؤساء الكتائب المتمردة المحلية (أبو إبراهيم) في اتصال عبر السكايب SKYPE: "إن هدف هذا الهجوم هو القضاء على خطة تقسيم البلد عبر إقامة دولة علوية. بالنسبة لنا، لا يهدف هذا الهجوم إلى غزو المنطقة، بل إلى التشويش على انتشار الجيش من أجل سحب قواته من مواقعها في الشمال".
     لم يستقر التقسيم الميداني للأراضي السورية بين المنطقة الوسطى والساحلية تحت سيطرة النظام، وبين المنطقتين الشمالية والشرقية وجزء من الجنوب تحت سيطرة المتمردين. إن خطوط الجبهة متحركة، وما زال كل طرف يطمح إلى السيطرة على البلد بأكمله، وهذا ما يطمح إليه أيضاً حلفاؤهم الدوليون ولاسيما في المنطقة.
     يتعلق هذا النزاع بما هو أبعد من مستقبل النظام السياسي في سورية، وقامت القوى الغربية العظمى بتوكيل الأطراف الأقليمية هذا الملف. تُواصل إيران إستراتيجية الهيمنة على كامل "الهلال الشيعي" بين طهران وبيروت، ولكنها تواجه معارضة الدول السنية وفي مقدمتها: تركيا وقطر والسعودية التي استعادت المبادرة منذ عدة أسابيع عبر السيطرة على الإئتلاف الوطني السوري بدلاً من قطر، وذلك بعد توسيعه من أجل إضعاف هيمنة الإخوان المسلمين داخل هذا الإئتلاف التي يترأسه حالياً أحمد العاصي الجربا أحد أعضاء قبيلة الشمر الموجودة في السعودية وسورية. كما بدأت الرياض بتقديم دعم عسكري كبير إلى القيادة المركزية للجيش السوري الحر بموافقة من واشنطن، وتواصل دبلوماسية الأموال حتى في روسيا. قام رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان بزيارة فلاديمير بوتين في موسكو، وعرض عليه التخلي عن الأسد مقابل عقود عسكرية بقيمة 15 مليار دولار وضمانات بدور أكبر لسوق الغاز الروسي في المنطقة. رفضت موسكو هذا العرض، وهي غير مستعدة للتخلي عن ورقة الأسد، وتعتقد أن انتصاره ممكن.
     من الناحية الدبلوماسية، إن التوترات الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة حول قضية سنودن (Snowden) ستؤثر على الملف السوري المُهمل أصلاً. أعلن وزيرا الخارجية الروسي والأمريكي في واشنطن يوم الجمعة 9 آب عن اتفاقهما على انعقاد مؤتمر جنيف 2، يبدو هذا الإعلان كمجرد تذكير بأنه لم يتم استبعاد الحل السياسي. ولكن يجب دفع الأطراف السورية المتحاربة نحو طاولة المفاوضات. أظهر الأسد تصميمه على القضاء على "الإرهابيين" بالسلاح، في حين أن المعارضة التي تطالب برحيله كشرط مسبق لأي نقاش، لم تعرف كيف تُقنع بأنها قادرة على توفير البديل. إن انقسامات المعارضة وعدم كفاءة ممثليها الرئيسيين، استخدمتها الدول الغربية ذريعة مشروعة من أجل تخفيف دعمها ولاسيما الدعم العسكري.
     أشار تقرير صدر عن مجموعة الأزمات الدولية في نهاية شهر حزيران إلى أن "مواقف النظام والمعارضة تجعل أي حل عسكري أو سياسي من قبيل الوهم. إن حلفاء كل طرف يعطون ما يكفي للصمود، وليس من أجل الانتصار، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة الحرب بالوكالة على حساب السوريين".