الصفحات

الأحد، 25 آب، 2013

(مجزرة، وعدة حروب)

صحيفة الليبراسيون 23 آب 2013بقلم جان بيير بيران Jean-Pierre Perrin

     هل ما زال الحديث ممكناً عن "الثورة السورية"؟ هل ما زال ممكناً القول أن الأحداث الحالية في سورية تُعبّر عن كفاح شعب أعزل ضد نظام دكتاتوري؟ إذا نظرنا إلى شعارات الثوار الثلاثة: "لا للعنف، لا للتدخل الخارجي، لا للطائفية" التي مات من أجلها عشرات آلاف السوريين وهم يقاتلون جيش بشار الأسد منذ شهر آذار 2011، نلاحظ بوضوح أنها لم تعد صالحة. إذا شاهدنا على الأنترنت صور التعذيب والترهيب من الجانبين، فمن المدهش ملاحظة أن أولئك الذين كانوا يدينون وحشية النظام، لجؤوا هم أيضاً إلى الممارسات نفسها. كما أصبحت التدخلات الخارجية شاملة، والتطهير العرقي مستمر في عدة مناطق.
     لهذا السبب نلاحظ أن ما يجري في سورية لم يعد ثورة. تحولت هذه الثورة أولاً إلى حرب أهلية، وكان ذلك حتمياً مع انشقاق الجنود وانضمامهم للتمرد الذي حمل السلاح. ثم تحولت إلى حرب للسيطرة على سورية بسبب مجيء عدة دول وحركات للقتال ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ ، تظهر هذه الحرب بعدة أشكال: حرب إقليمية باردة بين إيران وحلفائها من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى؛ حرب دينية ترتكز بشكل أساسي على تنظيم القاعدة وحزب الله؛ حرب عالمية باردة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران وحلفائها بالإضافة إلى روسيا من جهة أخرى، وتمثل سورية خط الجبهة. يمكن قراءة خريطة النزاع في سورية بعدة أشكال، ولكن القاسم المشترك بينها هو أن جميع هذه الحروب تؤثر على المجزرة الجارية.
     بدأ هذا التحول مع وصول المجموعات الجهادية بأعداء كبيرة اعتباراً من عام 2012. لم تحمل هذه المجموعات معها التعصب الديني فقط، بل حملت معها أيضاً الدفاع عن مصالح الدول التي تدعمها مالياً وعسكرياً مثل قطر والسعودية وتركيا... بالمقابل، ستأتي المجموعات الجهادية الشيعية رداً على المجموعات السنية، ابتداءاً من حزب الله الذي قام بدور أساسي في استعادة مدينة القصير الإستراتيجية، وتكبد فيها خسائر ثقيلة. كان رئيس حزب الله حسن نصر الله واضحاً جداً في شهر حزبران عندما قال: "سنكون في المكان الذي يجب أن نكون فيه". يعني ذلك بوضوح أن رجال حزب الله لن يكتفون بالقتال بالقرب من الحدود اللبنانية، وسيقاتلون على جميع الأراضي السورية. كما لم يستبعد حسن نصر الله شخصياً الذهاب إلى سورية والقتال فيها. انضمت مجموعات شيعية أخرى إلى هذه الحرب الطائفية: عراقية ويمنية وبحرانية وربما بعض الهزارة من أفغانستان.
     تدخلت إيران أيضاً بشكل مباشر في المعركة. أشار مصدر دبلوماسي إلى أن بعض المستشارين في قوة القدس التابعة لحرس الثورة الإيراني قاموا بالإشراف على العمليات العسكرية الميدانية، ولاسيما في القصير. أكد دبلوماسي فرنسي قائلاً: "قامت إيران بدور كبير في النجاحات العسكرية الأخيرة للأسد". صرّح مهدي طيب، أحد المعاونين المقربين من المرشد الأعلى، بتاريخ 14 شباط: "سورية هي المحافظة الخامسة والثلاثين، وهي محافظة إستراتيجية بالنسبة لنا. إذا هاجمنا العدو وسعى إلى السيطرة على سورية وخوزستان ـ المحافظة النفطية الأساسية في إيران ـ في آن واحد، فإن الأولوية هي الحفاظ على سورية، لأننا إذا حافظنا على سورية، سنتمكن من استعادة خوزستان. بالمقابل، إذا خسرنا سورية، لن نستطيع الحفاظ على طهران". حتى ولو كانت تصريحات رجل الدين مهدي طيب مبالغ فيها بشكل متعمد، فإنها تدل على أن إيران تعتبر سورية كبلد تابع لها.
     بالنسبة للتمرد السوري الذي يتشكل من الإئتلاف الوطني وجناحه العسكري الجيش السوري الحر، فإنه لا يسيطر إلا على بعض الأجزاء الصغيرة من الأراضي "المحررة" التي تُشكل نصف سورية على الأقل. بالمقابل، يحقق المقاتلون الإسلاميون تقدماً مستمراً على الأرض. تُسيطر المجموعات الأكثر تشدداً على الرقة، وهي المحافظة الوحيدة التي وقعت بأيدي المتمردين. إن تصاعد قوة الإسلاميين كان السبب في تخلي لندن عن تسليح التمرد بعد أن دعمت المتمردين بشكل كبير في البداية. أكد الدبلوماسي الفرنسي المذكور أعلاه: "إذا لم نفعل شيئاً، سيزداد نفوذ المجموعات الخطيرة. وفي النهاية، إن مستقبل سورية لن يكون: إما الأسد أو الجهاديين، بل الأسد والجهاديين".