الصفحات

الثلاثاء، 20 آب، 2013

(الأزمة المصرية تُعيد خلط الأوراق الدبلوماسية في المنطقة)

صحيفة اللوموند 20 آب 2013 بقلم كريستوف عياد Christophe Ayad

     انتقل الانقسام الحالي في العالم العربي إلى باريس يوم الأحد 18 آب: إنه انقسام بين قطر، العراب الرئيسي للإخوان المسلمين، وبين السعودية، أفضل حليف للضباط المصريين منذ إقالة الرئيس محمد مرسي بتاريخ 3 تموز. في الوقت الذي كان لوران فابيوس يستقبل فيه نظيره القطري في وزارة الخارجية الفرنسية، اجتمع فرانسوا هولاند مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل. ولكن الاختلاف ما زال قائماً بين الدوحة والرياض، فقد أكد وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية على "الإفراج عن السجناء السياسيين" (الإخوان المسلمين)، وركّز وزير الخارجية السعودي على "العنف" الناجم عن المتظاهرين الإسلاميين.
     أدى الانقلاب في مصر بتاريخ 3 تموز والقمع الدامي لمؤيدي مرسي إلى تغيير المعطيات الدبلوماسية في الشرق الأوسط. إن الخاسر الرئيسي في هذا التغيير هو قطر التي استقبلت وشجعت ومولت مختلف تيارات الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا وحماس في قطاع غزة وسورية التي هيمن فيها الإخوان المسلمون على المؤسسات التمثيلية للمعارضة حتى وقت قريب. انهالت الانتقادات على قطر من جميع الأطراف بسبب عدوانيتها والتغطية الإعلامية المتحيزة لقناتها التلفزيونية الجزيرة، وتراجع الموقف القطري في كل مكان بعد أن كانت الدوحة تعتبر نفسها قبل عام المنارة الجديدة للعالم العربي السني. ربما شعر الأمير حمد بن خليفة الثاني بهذا الفشل، وسلّم السلطة بتاريخ 25 حزيران إلى ابنه تميم المعروف بأنه أكثر تعقلاً. ومنذ ذلك الوقت، خففت قطر دعمها إلى الإخوان المسلمين.
     بالنسبة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي يعتبر نفسه نموذجاً لنجاح الإسلام السياسي في السلطة، فإنه الخاسر الأكبر الآخر في الأحداث الجارية، ويواجه احتجاجاً داخلياً، وما زال يرتاب من الجيش. كان أردوغان الأكثر حدة في إدانة القمع في مصر، واستدعى سفيره فيها. أما حماس الفلسطينية، فقد فقدت حليفاً هاماً، وأصبحت معزولة جداً في الوقت الحالي. بالنسبة للسودان التي يحكمها الإسلاميون، فقد وقفت إلى جانب معسكر المؤيدين لمرسي.
     كانت السعودية ترى في وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة تحدياً جدياً لسلطتها في العالم السني، وعبّرت عن سرورها علناً لتراجع الإخوان المسلمين بعد أن كانت تحميهم لفترة طويلة. قطعت الرياض علاقتها مع الإخوان عندما وقفوا إلى جانب صدام حسين أثناء غزوه الكويت عام 1990. أعرب الملك عبد الله يوم الجمعة 16 آب عن دعمه للشعب المصري في "كفاحه الشجاع ضد الإرهاب". إن السعودية والأردن لم تنظرا بارتياح إلى الثورات العربية إطلاقاً، ولا إلى العمليات الديموقراطية الجارية.
     دعمت السعودية قدر المستطاع الضباط والسلفيين أينما كانوا، باعتبارهم أعداء الإخوان ومنافسيهم. وعد القادة السعوديون بتقديم خمسة مليارات دولار إلى الحكومة المصرية (يبلغ الدعم الإجمالي 12 مليار دولار مع المساعدات المقدمة من الإمارات العربية المتحدة والكويت). بشكل موازي، أصبحت الرياض على وشك السيطرة على الإئتلاف الوطني السوري، القاعدة الرئيسية للمعارضة، على حساب قطر.
     بالنسبة للنظام السوري، عدو السعودية وقطر، فقد رحّب بشكل غير منتظر باستخدام الحكومة المصرية للخطاب "المعادي للإرهاب" تجاه الإخوان المسلمين، وهذا ما يفعله النظام السوري منذ بداية التمرد في شهر آذار 2011. إن قيام محمد مرسي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق ودعوته للجهاد ضد نظام الأسد، أثار غضب الجيش المصري ضد التمرد السوري. ظهر التغير المفاجىء في الموقف المصري عبر الحملة العنيفة لوسائل الإعلام المقربة من السلطة ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين.
     كان من المفترض منطقياً أن تُعبّر إيران عن سرورها من هذه التطورات في مصر، ولكن طهران استهجنت مجزرة جامع رابعة العدوية باسم التضامن بين "الأنظمة الإسلامية". كان محمد مرسي أول رئيس مصري يزور طهران منذ عام 1979.
     فيما يتعلق بدول المغرب العربي، وصل الخوف من تكرار السيناريو المصري إلى حزب النهضة الإسلامي التونسي الحاكم، وذلك في الوقت الذي ما زالت الأزمة السياسية مستمرة بعد اغتيال النائب محمد براهيمي بتاريخ 25 تموز. وافق الإسلاميون التونسيون يوم الأحد 18 آب على الحوار مع معارضيهم. أما الجزائر، فقد أعربت عن سرورها من رؤية مصر تضع حداً للربيع العربي الذي تعتبره موجة إسلامية. بالنسبة إلى ليبيا التي تجتاحها اضطرابات مستمرة، فلم تتخذ موقفاً. ولكن القنصلية المصرية في بنغازي تعرضت لعملية تفجير لم يتم تبنيها دون وقوع إصابات. فيما يتعلق بالمغرب، إنه ممزق بين القصر الملكي الذي يشعر بالرضى عن تحجيم الإخوان المسلمين، وبين الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية المقرب من الإخوان. تظاهر عشرة آلاف شخص يوم الأحد 18 آب في الرباط تلبية لنداء وجهه الإسلاميون "ضد قمع الجيش" المصري.