الصفحات

الثلاثاء، 27 آب، 2013

(أخطار التدخل في سورية)

صحيفة الفيغارو 27 آب  2013بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     تُفكر حكومات أربع دول في الحلف الأطلسي الأكثر قوة في الشرق الأوسط: الولايات المتحدة وتركيا وبريطانيا وفرنسا عالياً بفكرة القيام بعمل "قوي" في سورية. تبث شاشاتنا باستمرار صور الأطفال الذين تعرضوا للغازات في الغوطة الشرقية بدمشق، وهيأت الرأي العام معنوياً. ليس هناك حتى الآن أي تحقيق مستقل لتحديد الجانب المسؤول في هذه الجريمة البشعة. ولكن قيام إيران الحليف المطلق لنظام بشار الأسد بالدعوة إلى تحقيق دولي، يُشير إلى أنه من غير المحتمل أن تكون القضية مناورة من قبل المتمردين.
     هل يجب على فرنسا إلى جانب حلفائها في الحلف الأطلسي أن تشن الحرب على سورية بشكل أو بآخر؟ هذا هو الملف الرئيسي للسياسة الخارجية الفرنسية اليوم. في مثل هذا النوع من التدخل "الإنساني"، هناك ثلاث مراحل: الهجوم وفرض الاستقرار وإعادة البناء. لا تطرح المرحلة الأولى أية مشكلة، باعتبار أن جيوش الدول الغربية متفوقة تكنولوجياً على الدول المستبدة التي تهاجمها.
     تبدأ المشاكل مع المرحلة الثانية بعد قتل الدكتاتور أو اعتقاله، ويجب حينها استبدال سلطته. ولكننا نحن الغربيين لا نعرف كيف نؤمن الاستقرار في بلد مسلم، وقد سبق لنا أن حاولنا ذلك. هل نجحت تدخلاتنا العسكرية الأخيرة المكلفة في الصومال والعراق وأفغانستان وليبيا في إحلال السلام في هذه المناطق؟ تجري الأمور كما لو أن القيم التي نسعى إلى فرضها خلال تدخلاتنا "الإنسانية" مثل الديموقراطية ودولة القانون والتسامح الديني والحرية والمساواة والإخاء... الخ، لم تنجح في عبور جدار الحضارة الإسلامية. هل هذه الحضارة لا تتقبل في جوهرها هذه القيم، أم أن السبب هو أخطاؤنا المعرفية؟ لا شك أنه الإثنان معاً.
     نحن الفرنسيين نعرف سورية بشكل جيد. قمنا باحتلالها عسكرياً خلال الفترة من شهر تموز 1920 حتى نيسان 1946. كانت يجب علينا تلقين القيم الجمهورية إلى هذه المنطقة العثمانية السابقة لإعدادها للاستقلال بموجب التفويض من عصبة الأمم. إن البرلمان الذي قمنا ببنائه، والانتخابات التي نظمناها، لم تُقنع الشعب إطلاقاً. وقعت عدة حركات تمرد، وقمعناها بالدم. قامت الحكومة الفرنسية (التي كانت تجمعاً لأحزاب اليسار) أيام 18 و19 و20 تشرين الأول 1925 بقصف دمشق التي وصل إليها التمرد. لم تستخدم فرنسا حينها الغازات السامة أثناء  القصف، واكتفت باستخدام المتفجرات التقليدية.
     كانت بريطانيا الدولة الوحيدة التي استخدمت غاز الخردل في العراق من أجل قمع تمرد القبائل الشيعية عام 1921. كان من حسن حظ الحكومة البريطانية عدم وجود تلفزيونات ولا يوتوب وهواتف ذكية في ذلك الوقت، ولم يتسن لأحد التعبير عن حزنه على العائلات الشيعية المنهكة تحت الخيام. يدعى الضابط البريطاني الذي فكر بقصف المتمردين الشيعة بغاز الخردل الميجر هاريس Major Harris، ثم أصبح جنرالاً في سلاح الجو بعد عشرين عاماً، وهو الذي سحق مدينة دريسد يومي 13 و14 شباط 1945. إن تمثاله موجود في قلب لندن.
     قامت قواتنا مرة أخرى بقصف بسيط لدمشق بتاريخ 29 أيار 1945، ويبدو أن ذلك لم يُحسّن إمكانية تقبّل النخبة السورية لقيمنا الجمهورية والديموقراطية. ظهر نظام برلماني استمر عدة أشهر بعد رحيلنا، ولكن الانقلابات العسكرية تتالت سريعاً واحداً بعد الآخر، حتى انقلاب شهر تشرين الثاني 1970 الذي صادرت فيه عائلة الأسد السلطة بشكل نهائي.
     هل التجربة العراقية السابقة (التي تحطمت فيها وحدة البلد وفشل فيه التطعيم الديموقراطي) ستردع حلفاءنا الانغلوساكسون عن البدء بحرب "إنسانية" طويلة في سورية؟ نأمل ذلك. في حال قيامهم بمثل هذه المغامرة، سيكون من الذكاء أن تمتنع فرنسا من المشاركة بها. على الأقل من أجل تكريس جهودها لمهمتها في إحلال الأمن في الصحراء الإفريقية (الساحل) التي انتشرت بها الكتائب الإسلامية بعد إسقاط القذافي بمبادرة فرنسية.

     من المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة قريباً بإطلاق صواريخ بعيدة المدى ضد الأهداف العسكرية للنظام السوري. ربما يكون هذا الإنذار مفيداً، إذا أدى إلى استئناف مؤتمر السلام في جنيف الذي سيكون الروس والإيرانيون من الأطراف المعنيين به. لأنه يبدو أن أفضل حلفاء  بشار تعبوا من وحشية قمعه. إنهم الوحيدون القادرون على الحصول من عائلة الأسد أن تنقل السلطة إلى حكومة انتقالية. لم يعد بإمكاننا نحن القيام بشيء كبير، لأننا أغلقنا بغباء سفارتنا في دمشق بشهر آذار 2012، متجاهلين أن الدبلوماسية هي من أجل الحديث مع خصومنا وليس مع أصدقائنا.