الصفحات

الأحد، 25 آب، 2013

(الغوطة، دراسة دقيقة للمجزرة)

صحيفة الليبراسيون 23 آب 2013 بقلم كورين بن سيمون Corinne Bensimon وجان بيير بيران Jean-Pierre Perrin وكورديليا بونال Cordélia Bonal وهالة قضماني

     هل تتحلى صور المجزرة بالمصداقية؟ ما هو مدى مصداقية الصور التي نشاهدها منذ يوم الأربعاء 21 آب على اليوتوب والفيسبوك وتويتر؟ إذا كانت أي حرب هي حرب إعلامية، فإن الحرب السورية هي نموذج مثالي. لم تستطع إلا قلة نادرة من المصورين والصحفيين المحترفين العمل على الأرض. لا يمكننا إلا الاعتماد على الصور التي يرسلها هذا الطرف أو ذاك، وهي صور لا يمكن الوثوق بها.
     تخضع الصور ومشاهد الفيديو لعدة مراحل من الرقابة، وتمر أغلبها عبر الشبكة السورية شام نيوز التي أصبحت وكالة الأنباء الفعلية للمعارضة. تقوم شام نيوز بالمراقبة والشرح واعتماد الصور والترجمة والنشر، وهذا ما قامت به بالنسبة لصور ومشاهد الفيديو للمجزرة المزعومة يوم الأربعاء 21 آب. تأخذ محطات التلفزيون الكبيرة ووكالات التصوير الصور التي تعتمدها شام نيوز، وتعتبرها موثوقة. ولكنها تنظر إليها بشكل نسبي وتحذر زبائنها وتضع الشروحات بالصيغة الشرطية بالإضافة إلى مقارنتها مع مصادر أخرى.
     قال مدير التصوير في وكالة الأنباء الفرنسية AFP بالشرق الأوسط، مقرها في قبرص، باتريك باز Patrick Baz: "خلال ثلاثين عاماً من النزاعات، إنها المرة الأولى التي أجد فيها نفسي أقوم بتغطية حرب بشكل افتراضي فقط. أجبرني ذلك على أن أصبح محققاً". ما زالت وكالة الأنباء الفرنسية تملك مكتباً في دمشق، ويعمل فيه موظف وبعض الصحفيين الذين يعملون على المقال، وجميعهم سوريين. قال باتريك باز: "إن الصحافة المصورة كما نفهمها غير موجودة في سورية. ولكننا اعتدنا عليها. ننتبه بسرعة للمصدر، ونقوم باتصالاتنا، ونتأكد من المعلومات، ونقارنها، ونعود إلى أصلها. نعرف ما هو الموثوق، وما هو الأقل موثوقية. نعمل باللغة العربية. في حال وجود شكوك، لا ننشرها بالتأكيد. اليوم، كل شيء قابل للتزوير. ولكن مشاهد الفيديو ليوم الأربعاء تُظهر عشرات الأطفال الذين يرتجفون ويختنقون. أجد صعوبة في تصديق أن مثل هذه الصور غير حقيقية".
     هل استُخدم غاز الساران في الغوطة؟ إن هذه الصور التي تبعث على الذهول ويرشح منها الموت دون قطرة دم، تُعبّر عن هول الهجوم بالغاز، ولاسيما الساران. قال كزافييه كومول Xavier Coumoul، الباحث في علم السموم بالمعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي (Inserm): "لا يمكن إبداء الرأي اعتماداً على صور الجثث، لا يوجد مؤشرات كافية لإعطاء  تشخيص". إذاً، بانتظار توفر خبراء مستقلين، من المستحيل تأكيد أن هؤلاء المدنيين ماتوا تحت تأثير هذا الغاز السام الذي يؤدي إلى الإفراط في سيلان اللعاب، وتشنج بؤبؤ العين، وفقدان السيطرة على العضلات، وتشنجات، وإسهالات، والموت بسبب ضيق التنفس أو فقدان الوعي.
     ما هي رهانات المعسكرين؟ لخص الناطق الرسمي باسم الإئتلاف الوطني السوري خالد صالح الوضع الحالي للطرفين المتحاربين في سورية قائلاً: "اعتقدنا أن الاعتراف بالبراهين الأولى على استخدام الأسلحة الكيميائية سيكون امتحاناً للخط الأحمر الذي رسمه أوباما، ولكننا اكتشفنا أنها كانت ضوءاً أخضراً للنظام الذي لن يواجه أي خطر". تبذل المعارضة جهدها منذ الكشف عن مجزرة الغوطة لإدانة اللامبالاة الدولية، وتُطالب بحماية دولية دون أية إستراتيجية واضحة.
     جرت اجتماعات صاخبة للإئتلاف الوطني السوري خلال اليوم الماضي، وظهرت فيه اقتراحات متطرفة بقطع أي اتصال دبلوماسي وشن حرب شاملة، ولكن الإدارة لم تعتمدها. إن نقص وسائل الضغط لدى المعارضة يؤكد عجزها بنظر الشعب السوري الغاضب من "ثوار الفنادق الكبرى". فيما يتعلق بالنظام، يشعر بالقوة من خلال تقدمه على الأرض، ويحظى بحماية حلفائه الدائمة، ولاسيما موسكو. إذا تأكد هذا الهجوم الكيميائي الواسع، فسيكون لمصلحة إستراتيجيته العسكرية لاستعادة المناطق المحيطة بدمشق.
     لماذا الهجوم بالسلاح الكيميائي في هذه المنطقة؟ يعمل النظام منذ عدة أشهر على طرد المتمردين من ضواحي دمشق، ابتداءاً من سهل الغوطة والقرى المحيطة بها. ولكنه لم يحقق نجاحاً كبيراً على الرغم من الخسائر الكبيرة لدى الطرفين. يشعر النظام بالإزعاج بسبب توغل المتمردين في المنطقة العلوية باللاذقية، وأجبره ذلك على نشر قواته من أجل استعادة الأراضي التي خسرها، ومواجهة تقدم المتمردين في حلب الذين حققوا فيها نجاحاً هاماً عبر الاستيلاء على قاعدة المنغ الجوية. أصبح الجيش النظامي يُعاني من نقص القوات في معركة الغوطة، الأمر الذي يخفف من أهمية تصريحاته الحماسية حول انتصاره القادم.

     لجأ النظام إلى جميع الوسائل لاستعادة الغوطة: القصف الشامل بالمدافع والطائرات وصواريخ أرض ـ أرض... وهكذا يبدو استخدام السلاح الكيميائي كتصعيد منطقي بالنسبة للنظام المستعد للقيام بأي شيء. هناك سبب آخر لهذا الهجوم غير المسبوق بالغاز بالمقارنة مع الهجمات الاثني عشر السابقة هو: تتحرك في سهل الغوطة وحدات الجيش السوري الحر الأكثر خبرة والأقل اختراقاً من قبل الجهاديين، وحتى الأقل تمسكاً بالمشاعر الدينية، كما تقوم الولايات المتحدة بتجهيز وتدريب بعض وحداته عبر الأردن.