الصفحات

الأربعاء، 21 آب، 2013

(كيف يمكن تغطية الحرب في سورية: الصحفيين المتعاقدين على حافة التعرض لنوبة عصبية)

مجلة النوفيل أوبسرفاتور الأسبوعية 15 آب 2013 بقلم إيلينا فوسكو Elena Fusco ودافيد كافيغليولي David Kaviglioli

     هناك الكثير من الأفكار المسبقة حول المراسلين الحربيين: مغامرين شبه انتحاريين، وأدباء شجعان. ولكن لم نتصورهم إطلاقاً كعمال مؤقتين وقلقين وينحصر تفكيرهم بالضغوط المالية الهائلة، ويبكون من التعب عندما يحل الظلام على فرشة وسخة استأجروها بخمسين دولار بالليلة الواحدة في بناء متداعي، وعزاؤهم الوحيد في كأس من الماء المصفر. ولكن هذا ما كتبته الصحفية الإيطالية فرانشيسكا بوري Francesca Borri  (33 عاماً) في مقال غاضب نشرته على موقع (Columbia Journalism Review) بتاريخ 1 تموز 2013. أدانت في هذا المقال ظروف العمل الصعبة المفروضة على الصحفيين المستقلين في سورية، والمنافسة الدامية بين الصحفيين المتعاقدين على المقال (Pigiste) الذين يتقاضون أجوراً زهيدة على المقال (خمسين يورو على المقال)، ونقص المال الذي يدفعهم إلى المخاطرة كثيراً، وعدم مبالاة رئيس التحرير المسؤول عنهم، والسباق نحو إثارة المشاعر...
     قالت لنا فرانشيسكا بوري على الهاتف من تل أبيب: "خطرت لي فكرة هذا المقال في شهر شباط عندما كنت في حلب. كان معي صحفيون متعاقدون من إيطاليا وإسبانيا، كما لو أن الأزمة الاقتصادية هناك انتقلت إلى سورية". عرضت فرانشيسكا بوري هذا المقال على العديد من الصحف الإيطالية، ولكن دون جدوى. ثم أرسلته باللغة الإنكليزية إلى إدارة Time Magazine التي أوصت موقع (Columbia Journalism Review) بنشره. عنوان المقال هو: (Woman's Work)، وانتشر بسرعة في الأوساط الصحفية، وأثار جدلاً إعلامياً حاداً عبر العديد من المقالات والتحقيقات المضادة. انتقد البعض النبرة المتحذلقة لهذا المقال، وحاولوا معرفة فيما إذا كانت فرنشيسكا بوري قد تعرضت فعلاً إلى رصاصة في ركبتها كما تدعي. كما أكد البعض الآخر أنه عندما نخشى الخطر والماء شديد الملوحة والعيارات النارية في الركبة، يجب تجنب حلب.
     لم تكن جميع ردود الفعل معادية لهذا المقال. تلقت جمعية المراسلين الحربيين المتعاقدين هذا المقال بارتياح غريب. قالت غارانس لوكين Garance Le Caisne التي ذهبت إلى سورية خمس مرات منذ بداية النزاع لحساب خمس صحف مختلفة: "شعرت بالإطمئنان بعد نشر هذا المقال بعكس الجميع. لم أكن مجنونة، نظراً لأنها كانت تعيش الظروف نفسها التي عشتها. لست متفقة مع كل ما كتبته. لم يفرضوا عليّ إطلاقاً مواضيع لإثارة المشاعر التي تحصل غالباً في النشرة الإخبارية الرئيسية المسائية. أعتبر أن دفع خمسين يورو للمقال أمر غريب جداً، ولكن أجورنا منخفضة فعلاً. عرضت عليّ إحدى الصحف 300 يورو للمقال الواحد، يعني ذلك عدة أيام من التحضير والعمل الميداني. وافقت على ذلك لأن الموضوع الذي أعمل عليه يجب أن يُنشر في مكان ما. بشكل عام، إنها تقول الحقيقة. لم أشعر إطلاقاً بمثل هذا الشعوربالوحدة إلا في سورية. كنت أبكي بعد كل ريبورتاج أقوم بإعداده. عندما تقوم إدارة التحرير بدعمنا، فإن الأمور معقولة. ولكن العمل المؤقت يدفعنا نحو تغيير رب العمل بشكل مستمر، ونعمل أحياناً مع أشخاص غير مبالين بمشاكلنا".
     من الممكن الرد على هذه المشاكل بأنها قديمة قدم العمل الصحفي. تذمّر أحد الصحفيين قائلاً: "أثارت فرانشيسكا بوري هذا الجدل في الوقت الذي يوجد فيه صحفيون رهائن في سورية، ويقول البعض أنه يجب التوقف عن إرسال الصحفيين إلى سورية. السؤال هو كيف يمكن الاستمرار بتغطية هذه الحرب على الرغم من الصعوبات الميدانية؟". قال المصور الإيطالي أليسيو رومينزي Alessio Romenzi الذي رافق فرانشيسكا بوري في حلب: "اليوم، يجب علينا أن نتلفت في جميع الاتجاهات. إذا مرت سيارة، يمكن أن نتعرض للاعتقال لمدة يوم أو يومين. حصل ذلك لعدد كبير من الصحفيين. أصبح وجودنا صفقة تجارية (Business)". أكدت غارانس لوكين قائلة: "إن تغطية أخبار هذا البلد أمر معقد جداً، وذلك على الرغم من أنني أعرف هذا البلد منذ عشرين عاماً. إنها منطقة رمادية، ونجهل ماذا يفعل كل طرف. هناك أخطار دوماً، ولكن الوضع أصبح خارجاً عن السيطرة هنا. كان من المفترض أن أذهب إلى سورية الأسبوع القادم، ولكن يجب عليّ العدول عن السفر. إنه أمر يحز في نفسي".
     قالت فرانشيسكا بوري: "كنت أريد إيضاح هذه الحرب، ولكنني اضطررت للانسياق مع سرعة المعلومات. اكتفيت بوصف هذا البلد بأنه ملجأ للمجانين. إن ما أردت قوله بالفعل هو فشلي". لقد نجحت بذلك.