الصفحات

الثلاثاء، 21 كانون الثاني، 2014

(مؤتمر السلام المستحيل في سورية)

صحيفة الفيغارو 21 كانون الثاني 2014 بقلم رونو جيرار Renaud Girard

     إن المؤتمر الدولي حول سورية هو نتيجة المبادرة الروسية ـ الأمريكية في الربيع الماضي، وقام الأمين العام للأمم المتحدة بالدعوة لهذا المؤتمر في مدينة مونترو السويسرية (ثم في جنيف) يوم الأربعاء 22 كانون الثاني، هل سينعقد هذا المؤتمر ؟ ربما ستستمر حالة الترقب حتى  اللحظة الأخيرة. توصلت الدول الغربية في النهاية إلى الحصول على موافقة الائتلاف الوطني السوري (خليط يضم بعض حركات المعارضة، بعضها علماني والبعض الآخر إسلامي، ولكن لا ترتبط أي منها بتنظيم القاعدة) على المشاركة في هذا المؤتمر، وذلك عبر الضغوط والابتزاز المالي الخفي. من المفترض أن يقوم وزير الخارجية وليد المعلم بتمثيل نظام بشار الأسد.
     هناك مصلحة مشتركة للروس والدول الغربية في إيقاف الحرب الأهلية الشيعية ـ السنية في بلاد الشام. أصبحت الأراضي السورية مكاناً لتدريب الجهاديين السنة من جميع  أنحاء العالم. أشار وزير الداخلية الفرنسية مانويل فالس Manuel Valls إلى أن عدد الذين يحملون جواز السفر الفرنسي ويقومون بالحرب المقدسة في سورية بلغ 700 شخص. بلغ عدد المتطوعين القادمين من فرنسا في الحروب بأفغانستان والبوسنة بالعشرات، ولم يصل إطلاقاً إلى المئات. إن هذا الاهتمام الكبير للجاليات الإسلامية المقيمة في أوروبا بالجهاد المسلح يمثل ظاهرة جديدة، ولا أحد يعرف اليوم كيف يعالجها.
     بدا أن كل شيء سينهار صباح يوم الاثنين 20 كانون الثاني عندما أعلن بان كي مون أنه دعا إيران للمشاركة في المؤتمر. من حيث المبدأ، يمكن أن يبدو من الصواب قيام الأمين العام للأمم المتحدة بدعوة القوة الإقليمية الأكثر انخراطاً في الحرب إلى جانب نظام دمشق. لقد تمت دعوة القوة الإقليمية الأساسية المنخرطة في الحرب إلى جانب المتمردين السوريين، أي السعودية. قال الجنرال ديغول في الماضي أنه في الشأن الدبلوماسي "يجب التعامل مع الواقع كما هو"، وذلك عندما بادر عام 1964 إلى الاعتراف بالصين الشيوعية التي لم يكن يحب نظامها. ولكن بطاقة الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 ـ الذي يفترض به التوصل إلى تشكيل حكومة انتقالية سورية تتمتع بكامل السلطات التنفيذية ـ يبدو أنه يتم توزيعها كنوع من المكافأة، كما هو الحال في المدرسة، إلى الدول التي أظهرت أنها  "طلاب جيدون" حول هذا الملف، وذلك بتشجيع من الحكومات الأوروبية ومنها فرنسا.
     لقد تمت دعوة الدول الإسكندنافية وأندونيسيا، ولم تتم دعوة إيران حتى قام بان كي مون بإصلاح هذا الخطأ بناء على نصيحة من مبعوثه الخاص الأخضر الإبراهيمي. ولكن الائتلاف الوطني السوري لا يريد إيران التي لا يبدو أنها مستعدة للتخلي عن بشار الأسد، وهدد الائتلاف بمقاطعة المؤتمر. بما أن إيران لم توافق على فكرة الحكومة الانتقالية السورية، تم سحب الدعوة منها مساء يوم الاثنين 20 كانون الثاني.
     تكمن مشكلة هذا المؤتمر في أنه يمكن دوماً قيادة حصانين إلى النبع السويسري. هذا ما تدعي موسكو القيام به مع نظام دمشق وواشنطن مع الائتلاف الوطني السوري. ولكن لا أحد يستطيع إجبار هذين الحصانين على شرب مياه النبع السويسري. لم يتوقف بشار الذي كنا نقول أنه انهزم منذ صيف عام 2011 عن التقدم ميدانياً، مستفيداً من دعم حزب الله وإيران وانقسام المعارضة السورية ـ الدامي أحياناً ـ . لماذا سيريد اليوم تقاسم سلطته أو حتى التخلي عنها؟ قال الرئيس السوري بوضوح أنه يعتبر بأن الهدف الوحيد لمؤتمر جنيف هو "مكافحة الإرهاب"، وأنه يُفكر بترشيح نفسه لولاية ثالثة عام 2014.
     فيما يتعلق بمندوبي الائتلاف الوطني السوري، يعرفون أن الوقت يمضي لصالحهم على المدى الطويل، وأن لديهم تمويل لا ينضب من قبل الممالك النفطية العربية ـ السنية في الخليج الفارسي، وأن المتمردين الذين يقاتلون على الأرض في حلب أو درعا لا يريدون سماع أي حديث حول بشار غير حبل المشنقة. إن هؤلاء المندوبين، ابتداءاً من الشيخ أحمد الجربا الذي تربطه صلات قرابة مع المملكة السعودية، ليست لديهم شخصياً أية مصلحة في التوصل إلى السلام في سورية، لأنه لن يتم وفق شروطهم.

     إن مؤتمر جنيف 2 هو مؤتمر السلام المستحيل، لأنه لا أحد يريده إلا العرابان البعيدان الروسي والغربي. إن الأصدقاء المقربين والمقاتلين أنفسهم لا يريدون السلام. إنهم يريدون الحرب الدينية الكبيرة في القرن الواحد والعشرين بين السنة والشيعة.