الصفحات

الثلاثاء، 7 كانون الثاني، 2014

(انتقال عدوى الحرب في سورية إلى العراق ولبنان)

صحيفة اللوموند 7 كانون الثاني 2014 بقلم بنجامان بارت Benjamin Barthe

     سيكون هناك حرب داخل الحرب في سورية من الآن فصاعداً. أصبح النزاع مكشوفاً بين المتمردين ضد الأسد وميلشيات تنظيم القاعدة بعد عدة أشهر من المواجهات الخفية. بدأت أهم المجموعات المسلحة السورية يوم الجمعة 3 كانون الثاني سلسلة من الهجمات على مواقع الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) التي تمثل تنظيم القاعدة في الشرق الأوسط، وذلك بعد إحساس هذه المجموعات بالصدمة من أعمال الترهيب التي يرتكبها هؤلاء المتطرفون في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وخوفاً من سيطرتهم المتزايدة على التمرد. ولكن ربما تكون ردة فعل المجموعات المتمردة متأخرة جداً للقضاء على تصاعد قوة الجهاد الدولي في المنطقة. في اليوم نفسه، استولى بعض مقاتلي داعش الذين يقاتلون ضد تسلط وطائفية رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي، على مدينة الفلوجة العراقية وبعض أحياء مدينة الرمدي في منطقة الأنبار السنية. عادت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام إلى الواجهة بقوة في العراق، مستفيدة من مناخ الحقد الذي أطلقته الحرب الأهلية السورية بين الجناحين الأساسيين في الإسلام.
     من المحتمل أيضاً أن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في طريقها نحو التوطن في لبنان، باعتبار أنها تبنت عملية تفجير السيارة المفخخة التي أدت إلى مقتل خمسة أشخاص يوم الأربعاء 1 كانون الثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي عملية التفجير الرابعة ضد المناطق الشيعية في العاصمة اللبنانية منذ بداية الصيف. قال الباحث في مجموعة الأزمات الدولية بيتر هارلنغ: "يبرز حالياً قوس أزمات يمتد من العراق إلى  لبنان بشكل يؤكد على انتقال عدوى المأساة السورية إلى المنطقة. يتكون هذا القوس من عدة نزاعات متداخلة مع بعضها البعض مع صبغة طائفية قوية جداً، حتى ولو أنه لا يمكن اختزال الاضطراب الحالي بمواجهة شيعية ـ سنية. تستفيد جميع هذه الأزمات من ضعف هياكل الدول وتآكل الحدود وتداخل المجتمعات والانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط".
     أدت  الحرب في سورية ضد الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام إلى مقتل عشرات الأشخاص. اندلعت هذه الحرب بعد قيام بعض سكان المناطق المحيطة بحلب باتهام بعض أعضاء الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بقتل طبيب. تتألف هذه المجموعة المتركزة في الشمال بشكل خاص من العديد من المقاتلين الأجانب، وجذبت لنفسها بسرعة عداء السكان المحليين بسبب ممارساتها العنيفة جداً مثل قطع رؤوس جنود النظام من الطائفة العلوية. إذا كان قيام هذه المجموعة بتوزيع المساعدة الغذائية جعلها تتمتع بالشعبية مؤقتاً في بعض المناطق، فإن سمعتها تعاني غالباً من عدم تسامح أعضائها الذين يقومون بتخريب الكنائس وفرض الحجاب واعتقال الصحفيين... الخ.
     رفض رؤساء داعش تسليم قاتلي الطبيب، الأمر الذي أدى إلى قيام الجبهة الإسلامية التي تمثل تحالفاً من المتمردين السلفيين بإطلاق الأعمال العدائية ضد داعش. ثم انضمت مجموعات مسلحة أخرى إلى هذا الهجوم ومنها جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، ولكنها تتألف بشكل أساسي من المقاتلين السوريين الأفضل اندماجاً في التمرد. بدأت المواجهات في منطقة حلب، ثم انتشرت إلى إدلب والرقة وحماة. أدت هذه الضغوط إلى تخلي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام عن معاقلها القوية مثل أطمة التي تمر منها قوافل التهريب، وحلت مكانها كتيبة إسلامية أخرى هي أحرار الشام. أدت العمليات الانتقامية إلى مقتل حوالي خمسين متمرداً يوم الأحد 5 كانون الثاني بواسطة القتل بدون محاكمات وعمليات التفجير بالسيارات المفخخة، وهو أسلوب كانت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام تستخدمه فقط في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات النظامية.  دعم الائتلاف الوطني السوري هذا الهجوم، ويصفه الناشطون بأنه "ثورة ثانية"، وهم مقتنعون بأن هؤلاء الجهاديين ينفذون رهان النظام. يعتبر هذا الائتلاف الذي يمثل التجمع الأساسي للمعارضين أن هذا الهجوم فرصة لتحسين صورته لدى الغرب قبل عدة أسابيع من مؤتمر السلام المحتمل في مدينة مونترو السويسرية بتاريخ 22 كانون الثاني.

     بدأ الجيش العراقي بمحاصرة مدينة الفلوجة التي تتحصن فيها الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ودعا سكانها إلى إخلائها قبل الهجوم النهائي المحتمل. تزايدت الضربات الجوية على مدينة الرمدي يوم الأحد 5 كانون الثاني، وأدت إلى مقتل 25 إسلامياً. كشف وزير الدفاع العراقي عن بعض صور الأقمار الصناعية التي تدفع للاعتقاد بوصول أسلحة ومعدات متطورة من سورية إلى منطقتي الأنبار ونينيف في العراق. قال الباحث دانييل بيمان Daniel Byman من مركز بروكنغز: "نجحت الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بالاستفادة من شبكاتها وإمكانياتها في العراق لفرض وجودها بقوة في سورية، كما استخدمت وجودها في سورية لتعزيز مواقعها في العراق". قال بيتر هارلنغ: "إن شعور الاضطهاد الذي عاشه العالم الشيعي فترة طويلة، بدأ بتغيير معسكره. يسود الاعتقاد لدى السنة الأكثر تطرفاً بأن إيران سيطرت على بغداد وبيروت، وأنها تستعد لأن تأخذ دمشق منهم. إنهم يخشون من تأثير الدومينو. وبما أنهم يشعرون بتخلي حليفهم التقليدي الولايات المتحدة عنهم، فإنهم مستعدون للقيام بكل شيء لمواجهة إيران".